الدفاع والأمن الإرهاب في العالم مقابلات مقالات مختارة الدولية المغرب العربي الخليج العربي العراق مصر فلسطين سورية لبنان التحرير الرئيسية

مركز رصد أخبار الشرق الأوسط - لبنان

شريط الأخبار

 

 

 

 

 

كامل النص

07/04/2018 السياسات العابرة للحدود لدى الشتات الشيعي العراقي


قفلت النخب السياسية والدينية العراقية المنفية عائدةً إلى وطنها في العام 2003، وفي كثير من الحالات، إلى السلطة، بعدما أمضت عقوداً تنتظر رحيل الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لابل تخطّط لإطاحته. وقد أدّت عودة شخصيات وأحزاب شيعة الشتات إلى تغيير المسار السياسي للدولة بشكل جذري، إذ استُبدلت فجأة حكومة تسيطر عليها أقليّة سنيّة بأخرى ذات أغلبية شيعية، وحلّت عناصر من الشتات مكان عراقيين محليّين. الجدير بالذكر أيضاً أن جميع رؤساء الوزراء السابقين في العراق، مثل إبراهيم الجعفري وأياد علاوي ونوري المالكي، ورئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، كانوا منفيين شيعة.

في حين لجأ العبادي وغيره إلى تحالفات متعدّدة الطوائف، ربّما تحدياً للوضع الراهن، ليس ثمة مبالغة في لحظ مدى التأثير الطائفي لهؤلاء القادة على السياسة العراقية خلال وجودهم في المعارضة وفي فترة مابعد العام 2003، وكذلك في صفوف شيعة الشتات على نطاق أوسع. والواقع أنّ فهم السياسة العراقية لايتطلّب تمحيص السياسة المحليّة وحسب، بل أيضاً السياسات العابرة للحدود للسكان الشيعة خارج الحدود الوطنية. فكما حدّدت النخب الشيعية المنفية سياسة الدولة العراقية ونظامها، فإنّ الدولة التي يقودها الشيعة، في المقابل، غذّت ومكّنت سياسات الهوية الشيعية في الشتات، ماعزّز الهيمنة الشيعية داخل العراق وشكّل حركات سياسية عرقية- طائفية أعمق تأثيرا.

الشتات الشيعي وإقامة دولة عراقية جديدة
وُلد الشتات الشيعي العراقي من رحم موجات هجرة عدّة، أوّلها خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، عندما تعرّض العديد من أعضاء حزب الدعوة العراقي إلى الاضطهاد، ونُفيت عائلات شيعية أخرى بسبب أصولها الإيرانية، وهي تهمة استغلّها النظام البعثي لغايات سياسية.1; وأعقبت موجة أخرى الانتفاضة الشيعية في العام 1991، عندما ثار آلاف الشيعة ضد النظام قبل أن تسحقهم لاحقاً القوّات البعثية، ما أدّى إلى عمليات كبيرة من النزوح الجماعي والهجرات إلى الخارج. ويُعدّ هذا التاريخ المديد من قمع الشيعة مهمّاً لفهم سيكولوجية السياسات الشيعية في العراق، وبالتالي السياسة العراقية في حقبة مابعد العام 2003.

أدّت سرديات النخب الشيعية المُضطهدة والمنفية عن المظلومية إلى تكوين جذور الدولة العراقية الجديدة. وفيما صوّرت هذه النخبة نفسها كمضطهدة لفترة طويلة مع التشديد على أحقيّتها بالحكم، تعاونت خلال التسعينيات مع الحكومتَيْن الأميركية والبريطانية لإطاحة صدام حسين، من خلال تقديم معلومات استخباراتية عن الدولة العراقية، والمساهمة في إضفاء الشرعية على التدخّل في أعين الحكومات الغربية.2 كما لعبت شخصيات الشتات الشيعي، بمَن فيهم أحمد الجلبي وأياد علاوي، وأحزاب سياسية مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، دوراً فعّالاً في خطة مابعد التدخل بقيادة الولايات المتحدة.3 ونجح الجلبي على وجه الخصوص في إقناع المحافظين الجدد في واشنطن بأنّ حكومة شيعية في العراق ستكون مُعتدلة ومؤيدة للولايات المتحدة ولإسرائيل، ولن تدور بأي حال من الأحوال في فلك إيران.

لكن من المفجع أنّ فهم النخب الشيعية في المنفى للعراق كان قد عفا عليه الزمن، وكان مدفوعاً بمطالباتهم بالسلطة. وبدعم من الولايات المتحدة، أيّد هؤلاء نظاماً لتقاسم السلطة أضفى طابعاً مؤسّساتياً على الانشقاقات العرقية والطائفية. وبما أنّ الأحزاب الشيعية تمثّل الأغلبية الديمغرافية، فإنّ هذا النظام لايمكن إلا أن يعمل لصالحها. وفي الواقع، وضع هذا العمل المنفرد الأساس للنظام السياسي العراقي، الذي سرعان ما بدأ يشبه السلطوية القديمة، غير أنّه بات ملوّثاً هذه المرّة بالطائفية العرقية، وهو النظام الجديد القائم اليوم.

مع كل عملية انتقال سياسي، بدءاً من إنشاء مجلس الحكم في العراق ووصولاً إلى قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، دعمت (وغالباً ماشجّعت) الموجة الأولى من النخب الشيعية في الشتات (فضلاً عن الأحزاب الكردية) القرارات السياسية الكارثية للتحالف الأميركي- البريطاني، من بينها اجتثاث حزب البعث وحلّ الجيش، وهما سياستان بدّلتا مسار السياسة العراقية إلى الأبد، إذ فكّكتا فعلياً مؤسسات الدولة والموارد البشرية القائمة بدلاً من تعزيزها والبناء عليها. وترافقت إزالة قوّات الشرطة مع انهيار القانون والنظام اللذين كان يمكنهما منع عمليات النهب والعنف واسعة النطاق التي بدأت في العام 2003. والأكثر تدميراً كان استبعاد آلاف السنّة من الدولة والمجتمع، ما أسفر عن سخط في صفوف العامة تجلّى لاحقاً في أعمال انتقامية عنيفة خلال الحرب الأهلية العراقية في العام 2006، وأيضاً عبر تشكيل تنظيم الدولة الإسلامية.

علاوةً على ذلك، انتشر الفساد والمحسوبية على نطاق واسع، إذ قام قادة شيعة الشتات بتوظيف أسرهم وأصدقائهم عبر شبكاتهم في الخارج. وقد استولت زمرة من أفراد الشتات على السياسة بشكلٍ كبير، تزامناً مع إجراء المزيد والمزيد من التعيينات السياسية من خلال الشبكات العابرة لحدود الدولة، على أساس العضوية في الأحزاب والولاء للقادة السياسيين، بدلاً من الجدارة أو القدرات التكنوقراطية. كذلك، أدّى استيلاء الأفراد العائدين من الشتات على السياسة إلى خلق توترات هائلة بين العارفين ببواطن الأمور الذين عايشوا ويلات نظام صدّام حسين، وبين عناصر الشتات الذين كان يُنظر إليهم على أنّهم عاشوا حياة مريحة في الخارج. وما زاد الطين بلّة أنّ عدداً قليلاً وحسب من المعيَّنين كانوا يتمتعون بخبرة سياسية، فمعظمهم كانوا يفتقرون إلى الخبرة والمهارات التي يحتاجون إليها للحكم، ناهيك عن إعادة بناء بلد معقّد سياسياً مثل العراق. وتبعاً لذلك، خضعت النخب الشيعية في الشتات إلى سياسات المحسوبية نفسها التي سبق أن أفسدت سياسات البلاد في عهد صدّام حسين، ما أدى إلى انتشار الفساد وانعدام الكفاءة في دولة تشتدّ فيها الحاجة إلى المواهب والاستقرار.

للمفارقة، انطلق مشروع بناء عراق جديد ديمقراطي وحرّ بطريقة غير ديمقراطية. ومع إجراء أول انتخابات ديمقراطية في كانون الأول/ديسمبر 2005، كان القادة السياسيون الشيعة الذين جاؤوا إلى السلطة من خلال مجلس الحكم العراقي، وبدعم من التحالف الأميركي- البريطاني، قد أفادوا للغاية من مزايا كثيرة. لذا، لم يكن مُستغرَباً أن يهيمن الائتلاف الوطني العراقي، وهو تحالف الأحزاب السياسية الشيعية، على الانتخابات. وكان أوّل رئيس وزراء منتخب ديموقراطياً في العراق هو البريطاني- العراقي إبراهيم الجعفري، عضو حزب الدعوة. وقد تولّى العديد من العائدين الشيعة لاحقاً مناصب وزارية وبرلمانية، بمَنْ فيهم نوري المالكي الذي شكّل حكمه أوج ديناميكيات كلٍّ من الطائفية وقوى الشتات. ولايزال هذا الإرث من شبكات شيعة الشتات العابرة لحدود الدولة والمُستخدمة لانتقاء موظفين سياسيين على امتداد النظام السياسي العراقي، قائماً حتى يومنا هذا.

لكن، هل يمكن أن تتغيّر تجربة العراق مع العائدين الشيعة مع حيدر العبادي، رئيس الوزراء الرابع المتحدّر من الشتات؟ أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة والأدلة القَوْلِية تنامي شعبية العبادي منذ تحرير الموصل والحويجة من الدولة الإسلامية - ليس في صفوف الشيعة وحسب، بل أيضاً في أوساط سنّة العراق. وقد تم تنفيذ خطته لتحرير الموصل بعناية للتخفيف من المخاوف السنيّة، فيما ظهرت صور ومقاطع مصوّرة لعائلات سنيّة جرى تحريرها من قبضة الدولة الإسلامية. على نحو مماثل، كان استيلاؤه مؤخراً على كركوك خطوة حاذقة وجريئة لرئيس وزراء غالباً مايُنتقد بسبب نهجه غير الفعّال. تشهد هذه النجاحات على ثقة العبادي المُتنامية، وقدرته على حماية سيادة البلاد في نظر العديد من العراقيين. علاوةً على ذلك، فهو يحاول، ظاهرياً على الأقل، تغيير العقلية السياسية الطائفية في العراق. وتشير أدلة قَوْلِيّة من داخل الشتات إلى أن العبادي تودّد إلى جيل شاب من العراقيين المسيّسين، سعياً لاجتذاب من يتمتع بالخبرة والمهارات بدلاً من أولئك الذين تربطهم صلة بشبكاته. كما توخّى عبر مسعاه الأخير في بغداد معاقبة أي شخص يروّج لخطاب طائفي ينضح كراهية عن طريق فرض غرامات، بل حتى اعتقال مَن يثبت تورّطه. مع ذلك، يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه المكاسب السياسية والخطوات الأوّلية لمكافحة العقلية الطائفية في المجتمع العراقي ستسطّر فجراً جديداً للسياسة العراقية، أم أنّها مجرّد مكاسب سياسية وأنصاف حلول مؤقتة على نحو حذق مع اقتراب الانتخابات الوطنية في أيّار/مايو 2018.

سياسات الهوية لدى شيعة الشتات
منذ العام 2003، كان لأحزاب وشخصيات المعارضة الشيعية في الشتات تأثير لايُمحى على مسار السياسة العراقية والدولة التي يسيطر عليها الشيعة. في المقابل، كان تأثير الصعود الشيعي والسياسات الطائفية على عناصر الشتات الأوسع كبيراً أيضاً. فقد ظهرت وتعزّزت الهوية السياسية الشيعية، ماوطّد السلطة السياسية الشيعية في بغداد.

بالتأكيد، ليس هناك من شتات شيعي مُتجانس؛ فعلى غرار أي مجتمع محلّي، ثمة طبقات متعدّدة من الاختلاف والانقسام الفئويَّين. ربما كان الشتات الشيعي متّحداً في موقفه السياسي ضد طغيان صدّام حسين في فترة ماقبل العام 2003، لكن السياسة الشيعية العراقية انقسمت في مرحلة مابعد العام 2003 على أسس دينية وسياسية، عاكِسةً كلّاً من الوضع السائد في العراق، وأركان السلطة الجدد الذين حكموا البلاد.

عموماً، تؤيد الغالبية الصامتة في صفوف شيعة الشتات العراقي المرجع الديني آية الله العظمى علي السيستاني، الذي يتمتع بنفوذ سياسي كبير وآراؤه مؤثّرة، وإن بشكل غير مباشر. وفي الوقت نفسه، يتبع آخرون المرجع الديني الإيراني آية الله العظمى علي حسيني خامنئي، أو سابقاً آية الله العظمى محمد الشيرازي، فيما تتّخذ كل مدرسة فكرية شعائر وممارسات محدّدة، مثل تلك المرتبطة بشهر محرّم المقدّس، وتحديداً ممارسة التطبير (لدى الشيعة، حزناً على قتل الإمام الحسين)، التي تفرّق بين الشيعة وتقسمهم أيضاً.

ينقسم شيعة الشتات العراقي سياسياً أيضاً، بين أولئك الذين يدعمون حزب الدعوة التاريخي، وبعضهم يدعمون المالكي، وبين أولئك الموالين للعبادي. وفي الوقت نفسه، يساند آخرون المجلسَ الأعلى الإسلامي العراقي أو الحركة الصدرية بقيادة رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر. وتتقاطع السلطات الدينية والأحزاب السياسية أيضاً، إذ ارتبط المجلس الأعلى الإسلامي العراقي تاريخياً بإيران، فيما من المعروف أن حزب الدعوة يُبعد نفسه تماماً عن الثيوقراطية والنفوذ الإيرانيَيْن في عهد العبادي، على الرغم من أنّه كان قريباً من إيران في عهد المالكي. وفي الآونة الأخيرة، حشد الصدر أنصاره، إلى جانب مجموعات المجتمع المدني، ضد فساد واستبداد الحكومة التي يقودها الشيعة، فحلّت شبكة متشابكة من الولاءات الدينية والسياسية محلّ فكرة المجموعة الموحّدة والمُتجانسة.

تبدو الانقسامات في العراق، التي تنعكس على الشتات، واضحة خصوصاً أثناء الانتخابات، عندما يُتاح لأفراد من الشتات دعم أحزابهم السياسية من خلال التصويت وهم خارج البلاد. وبسبب الانتشار الواسع لشيعة الشتات العراقي في جميع أنحاء العالم، تضمّ هذه المجموعات حُكماً عدداً كبيراً من الناخبين. وفي حين لاتتوافر أرقام دقيقة حول العراقيين المقيمين في بلدان الشتات، يعيش حالياً الملايين منهم في دول مجاورة مثل مصر، والأردن، ولبنان، وإيران، وسورية، فضلاً عن وجود مئات الآلاف في دول الغرب المضيفة، في مقدّمها السويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

لكن، على الرغم من الانقسامات الدينية والسياسية القائمة بين شيعة الشتات العراقيين، وانتقاداتهم وخيبة أملهم من النخب الشيعية في الشتات التي دعموها في العام 2003، لايزال الناخبون يؤيدون الأحزاب السياسية الشيعية. وكما أوضح أحد الشيعة لمؤلفة هذا المقال في لندن، فإنّ الخوف و“الرهاب“ لايزالان يلوحان في الأفق من عودة حزب البعث، ما يولّد خوفاً من “الآخَر“ الطائفي. ويؤكد هذا الواقع النزعة العدوانية للسياسة الطائفية في العراق، والتي تتردد أصداؤها في الشتات. وطالما استمر الوضع على هذا المنوال، سيحافظ الناخبون الشيعة على حلقة تغذية ارتجاعية إيجابية تعزّز باستمرار هيمنة السلطة السياسية الشيعية في بغداد.

تَفاقَمَ هذا التعزيز المتبادل مع صعود الدولة الإسلامية واستهدافها المتعمّد لأفراد شيعة، وأوضح مثال على ذلك كان مجزرة مخيّم سبايكر التي لقي فيها أكثر من 1700 جندي شيعي حتفهم. بالنسبة إلى العديد من الشيعة، من داخل العراق وخارجه، خصوصاً منذ سقوط الموصل في العام 2014، شكّل تنظيم الدولة الإسلامية تهديداً وجودياً. وقد أحيا هذا التهديد الجديد ضدّ الشيعة سرديات المظلومية السائدة في الميثولوجيا الشيعية والتاريخ. وتعود هذه السرديات إلى قرار هيئة الشورى باختيار أبي بكر خليفة للنبي محمد، بدلاً من الإمام علي، الذي ينظر إليه الشيعة على أنّه وريث حقيقي وشرعي؛ كما خيانة معاوية، الخليفة الأموي الذي أعلن يزيد الأوّل خلفاً له بدلاً من الإمام الحسين؛ وإلى قتل الإمام الحسين في معركة كربلاء في العام 680 م، وقد أدّت هذه الأحداث المهمّة إلى إرساء أسس الانقسام الشيعي- السنّي. نتيجةً لذلك، أدّى الظلم المديد الذي لحق بالشيعة في عهد الإمبراطورية العثمانية - وما تلاه من سياسة فرّق تسُد في عهد الانتداب البريطاني والتي رجّحت كفّة السياسة العراقية لصالح الأقلية السنّية على حساب الأغلبية الشيعية - إضافةً إلى عمليات الاضطهاد التي عاشوها طيلة عقود في ظل حكم صدّام حسين، إلى تغذية الذاكرة الجماعية الخاصة بالمظلومية الشيعية وصلّبت المجتمع الشيعي.

تبدو هذه الديناميكية أكثر وضوحاً خلال شهر محرّم. فمثلاً في لندن، حيث يقيم مجتمع عراقي شيعي كبير منذ الثمانينيات، يسير الآلاف سنوياً في موكب يبدأ من قوس الرخام (Marble Arch) وينتهي في ساحة ترافلغار (Trafalgar Square). في العام 2004، أفادت “بي بي سي“ أنّه “لم يكن للمسيرة رسائل سياسية خارجية، ولم تكن هناك لافتات عن الحرب في العراق، ويبدو أنّها ركّزت فقط على الأهمية الدينية لما يسمّونه مأساة كربلاء“. مع ذلك، ومنذ صعود الدولة الإسلامية في العام 2014، باتت المسيرات مسيّسة على نحو متزايد، حيث استخدم شيعة الشتات هذا الحدث كمنصة لمكافحة الإرهاب، وربط قتل الإمام الحسين بالقتل الحالي للشيعة في العراق، إضافة إلى استخدام الصرخة التي أطلقها الإمام الحسين ضدّ الطغيان والإرهاب لتبديد فكرة أنّ تنظيم الدولة الإسلامية يمثّل الإسلام. حملت الشعارات والرايات رسائل، من بينها أنّ الحسين “وقف في وجه الإرهابيين في زمانه“ و“دافع عن الحرية“، إلى جانب لافتات أخرى كتب عليها: “داعش [الدولة الإسلامية] عدوّ الإسلام“.

يُبرز الربط بين السياسة والدين والسرديات التاريخية عن المظلومية ميلاً متنامياً لتسييس الإسلام الشيعي، الذي يُستخدم لحشد الدعم وسط المعارك الطائفية المُحتدمة في جميع أنحاء المنطقة، ولتحديد مفهوم الإسلام. هكذا، نشأت الهوية السياسية لشيعة الشتات من رَحَم التعبير عن الفخار الشيعي، والتصدي إلى المفاهيم المخطئة المتعلقة بالشيعة، والإصرار على أن تنظيم الدولة الإسلامية لايمثّل الإسلام – في محاولة لإبعاد المذهب الشيعي عن صبغة الإرهاب.

عندما أصدر آية الله العظمى علي السيستاني فتوى للشيعة بالحشد ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014 - داعياً المواطنين إلى الدفاع عن البلاد وشعبها وأماكنها المقدسة - تمثّل الردّ الفوري في تطوّع عشرات الآلاف في صفوف قوات الأمن العراقية. كما شارك الشباب الشيعة في الشتات في التعبئة، على الرغم من حث أولئك المقيمين في الخارج على الامتناع عن القيام بذلك. علاوةً على ذلك، انتقل الدعم إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر، لقوات الأمن العراقية، وقوات الحشد الشعبي التي يقودها الشيعة، والقائد العام للقوات المسلحّة، العبادي، خصوصاً مع إلحاق الهزيمة بمعاقل الدولة الإسلامية. أصبح تويتر قناة جديدة عابرة لحدود الدولة، تستخدم في الشتات للتواصل مع السياسة العراقية وتأكيد العقيدة الشيعية.

هناك حدث آخر ملحوظ هو حج الأربعين، الذي يمثّل اليوم الأخير من الحداد لوفاة حفيد النبي محمد، الإمام الحسين.4 وقد أدّى تهديد الدولة الإسلامية إلى ازدياد أعداد الشيعة العراقيين في الشتات المشاركين في الحج. علاوةً على ذلك، اتخذ الحج بعداً سياسياً، في السنوات القليلة الماضية، إذ أنّ السفر إلى العراق، وإلى مدينة كربلاء المقدّسة، يشكّل بحدّ ذاته تحدياً وطريقة لتأكيد الهوية الشيعية. وعلى الرغم من أنّ تنظيم الدولة الإسلامية استخدم الحج باعتباره فرصة للهجوم على المسلمين الشيعة الذين يعتبرهم مرتدين، فقد زار 22 مليون شخص كربلاء في العام 2015، ما جعل المناسبة إحدى أكبر المناسبات الدينية في العالم. والأهم من ذلك هو أن هناك أعداداً كبيرة من الجيل الثاني من شيعة الشتات تشارك أيضاً في هذه الزيارات، مايدلّ على القوة المتنامية لهوية سياسية شيعية تجاوزت حدود الدولة والأجيال العراقية.

نحو المستقبل
ليس من المبالغة في شيء التركيز على دور نخب الشتات الشيعي في تشكيل الدولة العراقية في العام 2003، بالتعاون مع التحالف الأميركي- البريطاني. فقد وافق الشيعة العائدون من الشتات، جنباً إلى جنب مع الأحزاب الكردية، على نظام تقاسم للسلطة إثني- طائفي أثار انقسامات عميقة في السياسة والمجتمع العراقيَيْن. وفي حين أنّ تدخّلات الشتات يمكن أن تلعب دوراً مهمّاً في دعم سبل العيش، ونقل المعرفة، وتوفير الموارد البشرية في أوقات هجرة الأدمغة، وأثناء التحوّلات السياسية، إلا أنه ينبغي التعامل معها بحذر. وعلى الحكومات الغربية أن تتنبّه إلى الدروس المستقاة من العراق، لأنّها تبرهن على مدى مخاطر إنزال النخب المنفية منذ وقت طويل والمفتقرة إلى الشرعية من فوق بالمظلات، إلى مواقع السلطة في العراق من دون فهم تاريخها ودوافعها وجداول أعمالها والسكان الذين تدّعي تمثيلهم. إحدى هذه النتائج تمثّلت في عدم القدرة على تخليص الدولة العراقية من المحاباة السياسية الشيعية وعلاقات المحسوبية، وقد عزّزتها هذه المرّة الشبكات العابرة لحدود الدولة في الشتات.5 ولاتزال هذه الشبكات تضطلع اليوم بدور، إذ لايزال العائدون من الشتات الموجودون في السلطة يعتمدون عليها في التعيينات السياسية، والاستشارات السياسية، وممارسة الضغط في دول الغرب المضيفة.

تسلّلت الطائفية الإثنية في وقت لاحق إلى الشتات، وأسفرت عن قيام هوية سياسية شيعية، ترافقت مع هوية وطنية عراقية في أحسن الأحوال، وحلّت مكانها في أسوئها. على سبيل المثال، ظلّت دفّة الانتخابات العراقية تميل لصالح الأحزاب السياسية الشيعية بغض النظر عن خيبة الأمل والغضب اللذين يشعر بهما كثيرون من شيعة الشتات العراقي. كما أنّ أفراد شيعة الشتات قابلون للتعبئة استجابةً لدعوة يطلقها مرجعهم الشيعي أو لهجوم متصوّر ضدّ إيمانهم الشيعي، أكثر منه تلبيةً لطلب السياسيين العراقيين المنتخبين. فالشبكات الشيعية العابرة لحدود الدولة تعزّز بعضها بعضاً، حيث يدعم المذهب الشيعي في العراق الهوية الشيعية في الشتات، فيعمل شيعة الشتات بشكل متزايد كمعاقل للمذهب الشيعي في الغرب، وكمجتمع مدني عابر لحدود الدولة يقوم بالتعبئة استجابةً للأحداث الثقافية والسياسية داخل العراق.

حفّز صعود الدولة الإسلامية والهجمات على المجتمعات الشيعية في العراق الهوية السياسية الشيعية، ووحّد مرّة أخرى شيعة الشتات على اختلاف مشاربهم في وجه عدوّ مشترك. لكن، الآن وقد حدّت قوات الأمن العراقية من تقدّم الدولة الإسلامية وحرّرت المدن العراقية الرئيسة، كيف سيؤثّر ذلك على الفصائل الشيعية في العراق ومؤيديها في الشتات؟ من المؤكد أنّ السلطة السياسية الشيعية لا تُظهر أي مؤشرات على تراجعها في العراق، لكن هل ستترجَم نجاحات العبادي ضد الإرهاب في المزيد من الدعم من داخل حزبه أو مختلف الفصائل السياسية الشيعية؟ وهل ستترجم إلى فوز سهل في الانتخابات المقبلة والحفاظ على الوضع السائد؟ أم أنّ العبادي سيتحلّى بالشجاعة الكافية لاغتنام الفرصة للابتعاد عن الانقسامات الطائفية والدعوة إلى تحالفات متعددة الطوائف، انطلاقاً من وطنية عراقية يهيمن عليها الشيعة حصراً؟

يشكّل الجيل الشاب من الشيعة العراقيين المُقيمين في الخارج والذين يحافظون على ارتباطهم بالعراق منارة للتفاؤل. وثمة شريحة من شيعة الشتات العراقي آخذة في الظهور، تتميّز بمهنيتها وثقافتها وتأثّرها بالغرب، بيد أنها تحافظ في الوقت نفسه على صلاتها بالعراق من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، والحج، وممارسة طقوس شيعية جديدة.6 فكيف سيؤثر جيل من الشيعة العراقيين المتأثرين بالغرب في السياسة العراقية؟ وهل يمكن أن تكون خبراتهم في الديمقراطية هي الجواب على ثقافة الفساد والمحسوبية المتفشية في العراق؟ وهل سيواصلون تعبئة أنفسهم كشيعة أم أنّهم سيفصلون بين الدين والدولة؟

مع إحياء المذهب الشيعي، سواء داخل العراق أو في العالم بشكل عام، تستحق سياسة شيعة الشتات العراقي وسياسات شيعة الشتات عموماً أن تولى اهتماماً متزايداً. فالسياسات الشيعية لم تعد تقتصر على البلدان الأم، بل يتمّ تحبيذها وتعزيزها ودعمها من قبل شبكات الشتات العابرة لحدود الدولة. وتمثّل القضية العراقية تجسيداً أوسع لدور سياسات الشتات في تشكيل سياسات دول المنشأ. وفي الواقع، مع استمرار الصراعات في العراق وسورية واليمن، وتزايد التهديدات ضد المجتمعات المحليّة الشيعية في البحرين وباكستان والسعودية، سيظهر لاجئون جدد في الدول المجاورة وفي دول الغرب المضيفة. ومن المرجّح أن تتسّع رقعة الشتات الشيعي وأن تنشأ علاقات جديدة عابرة لحدود الدول، فتواصل تشكيل سياسات البلدان الأم والمنطقة الأوسع ككل.

علا كاظم

carnegie

     


    Alhadass

 

 



 



 

 

 

 

 

 
 

الحقوق محفوظة لـ "الشرق الأوسط - لبنان" 1998