بيان مؤسسة النبأ للثقافة
والإعلام بمناسبة اليوم العالمي لـ
"حرية الصحافة"
في الثالث من ايار من
كل عام، يُحتَفل بالمبادئ الاساسية لحرية
الصحافة، من اجل تقييم درجة حرية الصحافة في
العالم، والدفاع عن الإعلام من التعدي على
استقلاليته، وتقديم الثناء للصحفيين الذين
فقدوا حياتهم او تعرضوا للإصابات والضرر اثناء
ممارستهم لعملهم.
وبهذه المناسبة اصدرت
مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام بيانا حول
حرية الصحافة، بإعتبارها ركيزة اساسية من
ركائز الديمقراطية الحقيقية في بلدان العالم
التي تتمتع بالحقوق المدنية واحترام حقوق
الانسان، وجاء في البيان:
ترى مؤسسة النبأ
للثقافة والإعلام في اليوم العالمي لحرية
الصحافة، فرصة لتسليط الضوء على الواقع الذي
تشهده الحريات الصحفية في العراق بعد التغيير
عام 2003، ففي هذا البلد بقيت الصحافة
والاعلام لعقود طويلة، مجرد أبواق تروّج
لتوجهات الحكومات المتعاقبة منذ تاسيس الدولة
في عشرينات القرن الماضي وحتى نهاية الحكم
الشمولي عام 2003.
وقد استبشر العراقيون
خيرا، وخاصة دُعاة الصحافة والاعلام الحُر،
بعد رياح التغيير التي هبّت على البلد،
متأهبين لأن ياخذوا دورهم المنشود في تحقيق
حرية وسائل الاعلام في التعبير عن آرائهم
المتنوعة والاخذ بمسؤوليتهم المهنية كسلطة
رابعة تحقق توازنات السلطات الدستورية عبر
الرقابة والنقد ونقل الحقيقة.
ولكن ما لبثت الصحافة
ومنتسبيها حتى واجهت محاولات وأد عنيفة تحت
تاثير العنف والارهاب الذي ضرب اطناب العراق
من اقصاه الى اقصاه خلال الخمس سنوات الماضية،
حتى اصبح البلد اخطر مكان في العالم لممارسة
هذه المهنة، بحسب التقارير والشهادات الدولية
المتواترة، حيث تعرض مئات الصحفيين للقتل
والاصابة والاختطاف والتعذيب والتهديد
والتهجير، واخرهم كان نقيب الصحفيين العراقيين
شهاب التميمي، الذي يحس ابناء الصحافة ان
قَتلهُ كان رسالة موت واضحة هدفها إلقاء الرعب
في قلوب حاملي الأقلام التي لا تخشى لومةً.
وما زاد في الطين بلّة،
ان قيود قوانين الطوارئ في البلد وما أفرزته
من محاصرة لحرية الصحافة وتجاوزات كبيرة على
الصحفيين والمؤسسات الاعلامية بدعوى
الاحترازات الأمنية، قد اخذت منحى لا يمكن
التغاضي عنه في ضوء تكرار تلك التجاوزات
المُهينة من ضرب وسب وإهانة واعتقال وتهديد.
والأدهى من ذلك هو بروز
ظاهرة استخدام الترهيب على الصحفيين من قِبل
جهات سياسية بحيث اصبحت السلامة مرهونة بتجنب
هذا الاتجاه والتغاضي عن ذاك مجاملة او خضوعا
لجهة معينة على حساب حرية الرأي والحياد
والموضوعية.
الحرية الصحفية اليوم
في العراق تمرّ بمأزق كبير ومفترق طرق يمكن ان
يؤدي بها الى الصمود والانطلاق على خلفية
القوة المعنوية التي اكتسبها الصحفي العراقي
طوال سنوات الجحيم التي مرّت، كما يمكن ان
يؤدي بها المفترق الاخر الى الهاوية تحت تاثير
سياسة تكميم الأفواه ومحاولات صُنع بؤر هيمنة
محليّة، في ظل اتجاه الأقلمة السائد في العراق
حاليا.
هنا تكمن مسؤولية
الجميع من احزاب ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات
الدولة في حماية هذا المرفق الحيوي من مرافق
الديمقراطية المفتَرضة في عراق ما بعد 2003.
حيث تتواتر تصريحات الحكومة العراقية الداعية
الى ضرورة احترام حرية الصحافة وعدم التجاوز
على القائمين على هذه المهنة ومحاسبة المسيئين
لها. ولكن، هل تم اتخاذ اجراءات فعلية لحماية
الصحافة والصحفيين من المتجاوزين والمسيئين
والمجرمين؟، وهل تُرجمت توجيهات الحكومة الى
آلية فعلية ضمنت حقوق الصحفيين وعملت على
معالجة مشاكلهم؟.
من جهة اخرى فإن
محاولات تقنين الإعلام خطأ كبير أثبتته تجارب
الأمم الاخرى التي سبقتنا في هذا المضمار، حيث
يُترك الامر الى السلطات القضائية فقط، في
معالجة تجاوزات الإعلام واساءاته تجاه
الاخرين، وهذا الامر لن يتحقق إلا بترسيخ مبدأ
الفَصل بين السُلطات والعمل به تفصيليا، بحيث
ترى كل من مكونات السلطات الثلاث-التنفيذية
والتشريعية والقضائية- الخط التي تقف عنده.
ان الصحافة، بالنسبة
للسياسة والحكم، هي عبارة عن مرآة مزدوجة تعكس
نوع ومستوى الأداء السياسي والحكومي على
الجمهور ومن ثم تُرجِع الصدى المنقلب نحو
الحكومة، لترى هذه الاخيرة مستوى الرضى لدى
جمهورها.
كما انها تقوم بتشخيص
نقاط القوة والضعف والخلل، والوقوف عليها بعين
التحليل والتمحيص، من خلال نقلها للآراء
والتحليلات ذات التوجهات المختلفة، ليتسنى
للمتلقي اختيار ما يراه مناسبا مع توجهاته.
ومن هنا ظهرت اهمية الصحافة والاعلام حتى
دُعيت بـ السلطة الرابعة.
وعلى ضوء ما تقدم فان
الجهات المعنية مطالبة بتكثيف الجهود نحو
حماية الصحافة ومنتسبيها من خلال تنفيذ العديد
من المطاليب منها:
1- توفير الحماية
القانونية للصحفيين ومؤسسات الاعلام بما يضمن
فعليا عدم التجاوز من قِبل الاجهزة الأمنية
العراقية والاجنبية، بحيث ترى هذه الجهات ان
هناك عواقب وعقوبات رادعة للمسيئين من افرادها
تجاه الصحافة والاعلام.
2- دعم نقابات واتحادات
الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني معنويا
وماديا في سبيل تفعيل دورها واعطائها مساحة
حركة وصلاحيات قانونية اكبر للدفاع عن نفسها
تجاه التجاوزات والاعتداءات.
3- الإسراع بتشريع
قانون حماية الصحفيين الذي أُحيل مؤخرا الى
مجلس النواب، وتضمينه ما يكفي من الفقرات التي
تُلزم الجميع باحترام الصحافة ودعمها وحمايتها
خاصة في اجواء العنف والارهاب الكارثية التي
تجري في العراق.
4- التركيز على زيادة
الوعي الحقوقي لمنتسبي الاجهزة الامنية من
خلال زجّهم بدورات تأهيل مركزة حول حقوق
الانسان وكيفية التعامل مع المواطنين والشرائح
الاخرى من المجتمع.
ان مستقبل الديمقراطية
في العراق اليوم على المحك حيث ان محاولات قمع
الصحافة وتكميم الافواه تعني الرجوع الى عصر
الاستبداد والطغيان وعسكرة المجتمع. كما ان
نمو حرية التعبير وقيام الصحافة بدورها
الحقيقي كسلطة رابعة يعني ازدهار الديمقراطية
والتعددية وتطور المجتمع المدني.
مرتضى معاش
مؤسسة النبأ للثقافة
والاعلام