|
طهران أثبتت
أنها اللاعب رقم واحد في العراق أحداث البصرة واللعب الإيراني على
الحبلين
بغداد - البصرة - «المحرر العربي»:
المتتبع لمجريات الأحداث في العراق سيلاحظ أن بلاء هذا البلد هو في
الميليشيات المذهبية التي فرختها التيارات العراقية المحلية
والاغترابية التي وقفت قبل غزو العراق ومن ثم احتلاله إلى جانب
الأميركيين والإيرانيين، وشكّل العديد من تلك التيارات رافعة لقوات
الاحتلال لتمكينها من إحكام السيطرة على بلاد الرافدين. فتلك التيارات
والواجهات المتحزبة اتفقت منذ مؤتمر المعارضة العراقية لصدام حسين في
لندن 2002 على تفكيك العراق عبر إحلال سلطة الميليشيات المذهبية
والعرقية المسلحة محل سلطته المؤسساتية المركزية؛ وبعد الغزو الأميركي
واحتلال العراق سعى القادة المتحزبون والإسلاميون لتشكيل مؤسساتهم
العسكرية والأمنية، وبالأخص ميليشياتهم التي انفلشت على الساحة
العراقية وتعددت ولاءاتها بحيث تحولت إلى عبء على قياداتهم وفي مقدمتهم
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي دقَ آخر مسمار في نعش العلاقة
بينه وبين التيار الصدري الذي ألقى بلائمة المواجهات المسلحة التي
اندلعت في البصرة ومدينة الصدر والجنوب برمته، على عاتق تصرفات المالكي
وميليشيات حزبه «الدعوة الاسلامي- المقر العام»، الذي تفكك هو الآخر
وتحول بين فصيل إيراني وآخر عراقي موالٍ ومناهض للصدريين وميليشياتهم.
تجدر الإشارة إلى أن الجنوب والوسط وبغداد العاصمة تعرضت لثلاث عمليات
اجتياح وتطهير، الأولى قام بها الرئيس الراحل صدام حسين، ضد الشيعة
الموالين لإيران والمنحدرين من المجلس الأعلى، وحزب الدعوة اللذين قادا
هذه المرة عملية تنظيف شوارع العراق من الصدريين الذين كانوا مصدر
أحداث عقد التسعينات و2004 و2008 الرئيسي. إذاً، معارك البصرة توقفت،
وقد عزت مصادر عراقية مطلعة سبب إيقاف المواجهات لأوامر صدرت إلى
الطرفين من طهران، وقد خضع المالكي لها بعدما وصلته معلومات معززة
بالصور، والتي تؤكد خيانة وتمرد مجموعة من الضباط الشيعة الموالين
للمالكي والصدر في آنٍ واحد، حين سلمت تلك المجموعة أسلحتها لمكاتب
التيار الصدري التي بادلتها بـمصاحف قرآنية، وأغضان زيتون، وأموال ضخمة
وصلت الى التيار الصدري من إيران التي استثمرت تلك الظاهرة السلبية
السيئة لتوصل رسائل عدة للمالكي وحلفائه الأميركيين الداعمين له
ولعمليته المسلحة التي أطلق عليها «صولة الفرسان». من أن لا مناص من
شراكة الحكومتين العراقية والأميركية الامنية - السياسية مع نظيرتها
الإيرانية وحاضنتها الحوزوية التي ساهمت في تفكيك معارك الصدر مع قوات
المالكي العسكرية، بمجرد صدور فتوى من مراجع «حوزة قـُم» للصدر.
دور
إيراني مزدوج
الدور الإيراني بدا واضحاً في البصرة، من خلال دور الحرس الثوري
وخلاياه النائمة المستوطنة في البصرة وصولاً الى بغداد، حيث تجسد
الموقف الإيراني بتحريض الصدر على عدم إيقاف معاركه مع المالكي والحكيم
وميليشياتهما إلا بسحب الشرعية عبر الكتل النيابية الموالية للصدر عن
حكومة المالكي والمالكي شخصياً. بالإضافة للتسليح والمال ونقل المؤن
والمقاتلين الإيرانيين من إيران الى الشوارع العراقية. وفي المقابل،
ساهمت فرق وطواقم القناصة الإيرانيين التابعين لجهاز الاطلاعات في
القتال في وسط شوارع البصرة والجنوب العراقي، ما حدا بمقتدى الصدر الى
إصدار أمر لأتباعه بعدم المساس بأولئك القناصة في حال القبض عليهم
وتسليمهم الى القنصليات الإيرانية حيثما وجدوا، لتعدد مكاتب القنصليات
الإيرانية الاستخبارية في الوسط والجنوب العراقي التي تفوق عدد
نظيراتها الأميركيات. إلا أن ثورة الغضب وردات الفعل التي تولدت لدى
ذوي الصدريين المقتولين على يد القناصة الإيرانيين، دفعت مقاتلي
ميليشيا المهدي الى إعدام اولئك القناصة الإيرانيين وسط ساحات عامة
وتعليق جثثهم على أعمدة النور وكتابة عبارة «خونة» عليها. كما أن بعض
اتباع الصدر رفضوا الإنصياع لأوامره القاضية في 30 آذار/ مارس الماضي
بوقف إطلاق النار والجنوح الى السلم بانتظار ما ستؤول اليه المفاوضات
بين الصدر والحكومة برعاية وسطاء إيرانيين. وقام هادي العامري (زعيم
فيلق بدر)، وعلي الأديب (زعيم في الدعوة - تنظيم إيران)، بترؤس وفد
كتلة الإئتلاف الشيعي الى طهران التي أرغمت الصدر على وقف الإقتتال
الشيعي- الشيعي الميليشياتي في غضون ساعات. وقد انسلخت جماعات صدرية
على رأسها «أبو درع» على الفور عن حاضنة التيار الصدري وميليشيا المهدي
بذريعة تخلي الصدر عنها ومكوثه في طهران وعدم إكتراثه لما يجري لأتباعه
داخل المناطق العراقية الساخنة، فشكل المتمردون قيادة صدرية عسكرية
مناطقية عمد عناصرها الى تصفية حساباتهم مع غرمائهم الشيعة البدريين
فقاموا بسرقة محتويات منازلهم ومكاتبهم التي غادروها هرباً من الزحف
الصدري الذي التهمت نيرانه دوائر الدولة والإدارات المحلية والمصارف
الأهلية والحكومية كافة التي لم تسلم من نهب وحرق أبو درع ورفاقه
المنشقين، الذين كرروا مشهد أيام الغزو الأميركي الأولى في نيسان/
أبريل 2003 على يد الجماعات ذاتها المذكورة التي حولت مؤسسات العراق
المركزية الى حُطام كلفت خزينة العراق مليارات الدولارات بغية إعادة
ترميمها. الانتقام الصدري المجاني شمل «العرب السُنة» الذين كانت حصتهم
الخطف على الهوية وضرب أحيائهم السكنية بقذائف الهاون وصواريخ
الكاتيوشا، رغم صدور أوامر لقيادتي المقاومة الاسلامية والبعثية
السُنية من مرجعيتها داخل وخارج العراق بتوفير الدعم اللوجستي
والاستخباراتي والعملياتي اللازم لمقاتلي التيار الصدري المنضبطين، ما
حدا بالمالكي نتيجة تقارير المخبرين السريين التي تواردت اليه من داخل
التيار الصدري إلى تهديد القوى السنية، التي أوقفت دعمها على الفور
بسبب تهديدات أطلقها المالكي والقادة الأميركيون بشمول الأحياء والمدن
السُنية بعقاب جماعي في حال ثبت أن أي شارع أو حيٍ واحد يقوم بتقديم
الدعم اللازم والملاذ الآمن لمقاتلي الصدر الهاربين من الملاحقات
الأميركية - العراقية.
النهب
الميليشياوي
مصارف وبنوك عمان ودمشق إمتلأت مجدداً بأموال العراق المنهوبة على يد
المجاميع الصدرية التي عاثت بالأرض فساداً، بالإضافة لأموال منهوبة على
يد قادة بدريين استقلوا طائرات الخطوط الجوية الدنماركية التي حطت
خصيصاً في مطاري بغداد وأربيل لنقل ثروات العراق المسروقة وقادته
الجُدُد الهاربين، ما حدا بالسفارات الغربية والعربية الى تحذير إدارة
تلك المصارف الأهلية والحكومية من مغبة التعاون مع اللصوص الصدريين
والبدريين على حدِ سواء الذين سرقوا ما خف وزنه وغلا ثمنه، من السبائك
الذهبية وأكياس وحاويات العملة الصعبة. ثبات المالكي في ساحة البصرة
التي اتخذها لقيادة عمليات القوات العراقية المسلحة ضد المتمردين
الصدريين، زادت من حظوظه في الأوساط الأميركية- البريطانية الحكومية
التي قدمت الدعم والإسناد الجوي اللازمين للقوات العراقية حين شارك
سلاح الجو الأميركي- البريطاني في طلعات جوية مشتركة ساهمت في شل حركة
القيادات الصدرية المتنقلة، التي اتخذت من مقرات الدوائر المُحصنة
خنادق مواجهة مع القوات العراقية. وقد لاحظ المراقبون أنه فور اندلاع
المعارك في البصرة خفت الضغوط الأميركية والدولية على طهران، وهو ما
تمثل في غياب التصريحات النارية التي كانت تطبع أحاديث الإدارة
الأميركية حول إيران وملفها النووي. كما أن وقف المعارك بأمر من طهران
كان مؤشراً ورسالة قوية اللهجة من القادة الإيرانيين إلى دول العالم
كافة، وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية بأن إيران تملك معظم الأوراق
العراقية في يدها، وهي في النهاية أيضاً رسالة تحذير إلى نوري المالكي
الذي يحاول في الفترة الأخيرة الخروج من تحت العباءة الفارسية.
|