|
قطيعة بغداد - دمشق الديبلوماسية؟..
تنفيس للوضع الإيراني ـــ الإسرائيلي الداخلي..
وتهرب أميركي من موضوع الانسحاب العسكري؟
عمان
- بغداد- »المحرر العربي«:
يؤكد مراقبون متابعون أن قطيعة العراق وسورية الديبلوماسية لن تنتهي،
بإعلان وزيري خارجية كلا البلدين في 9 الجاري، وبرعاية أمين عام جامعة
الدول العربية »عمرو موسى« في القاهرة، وقف تبادل الاتهامات الإعلامية
بينهما، وكذلك إعادة سفيري بغداد ودمشق إلى عملهما بعد سحبهما الشهر
الماضي، إثر اتهام حكومة العراق نظيرتها السورية بالوقوف خلف تفجيرات
الأربعاء الأسود 19 آب/ أغسطس الماضي، التي أسفرت عن 100 شهيد وألف
جريح، بل هي مجرد هدنة هشة مرشحة للتفجر مجدداً، في حال رفضت الأُسرة
الدولية مقترحات إيران المقدمة لها بخصوص برنامجها النووي، والتي تزامن
تقديمها مع إعلان الهُدنة السياسية بين بغداد ودمشق.
ورأوا أن هذا يدل على وقوف طهران خلف التهدئة المذكورة، وكذلك القطيعة
في آنٍ واحد. وهي مجرد رسالة استفزازية إيرانية موجهة للغرب فحواها، أن
لدى طهران القدرة على تأجيج أوضاع العراق والمنطقة الداخلية، في حال
مضت الأُسرة الدولية وبضغطٍ من القوى العظمى في مشروع فرض عقوبات
اقتصادية تدريجية على إيران في حال مواصلتها عمليات تخصيب اليورانيوم.
والواقع أن كافة المعطيات والوقائع على الأرض تؤكد عودة القطيعة
العراقية - السورية مجدداً، إثر وقوع حوادث عدة خلال الفترة الأخيرة،
منها قيام حكومة بغداد بنشر قوات عسكرية وأمنية على طول الشريط الحدودي
الرابط بين العراق وسورية البالغ طوله 700 كلم. ناهيك عن شن قوات رئيس
الحكومة العراقية نوري المالكي المعروفة بـ»وحدة مكافحة الإرهاب«،
حملة اعتقالات واسعة شملت جميع العراقيين العائدين من سورية بعد أن
كانوا مهجرين فيها منذ أيام الغزو الأولى وحتى فترة قريبة. وهذا يؤكد -
حسب المراقبين - قرب وقوع حوادث أمنية داخل سورية مثل استهداف تجمعات
وأسواق شعبية من قبل ميليشيات حكومة بغداد، المتغلغلة بين صفوف
المهجرين العراقيين في دول الجوار وسورية، أو حصول خرق أمني داخل سورية
من قبل طرف خارجي له مصلحة في استمرار التصعيد بين سورية والعراق.
علماً أن هذا الخرق قد يصل إلى حد »تصفية« معارضين بارزين عراقيين أو
عرب مقيمين في سورية، على غرار اغتيال عماد مغنية داخل سورية، بغية خلط
الأوراق وتحقيق مكاسب أمنية سياسية عدة، على أرض الواقع، تنحصر في
التالي:
1- دفع دمشق لتقديم المزيد من التعاون مع القوات الأميركية في العراق،
وتمهيد انسحابها منه صوب الأراضي السورية، من دون دفع واشنطن سلفاً
لدمشق.
2- إحلال وساطة الطرف »التركي - القطري« في موضوع إنهاء هذه القطيعة،
بدل وساطته في موضوع مفاوضات السلام السورية - الإسرائيلية. أي طي هذا
الملف إلى إشعارٍ آخر.
3- إشغال سورية بموضوع ترتيب أوراقها الإقليمية وتحديداً مع جارها
العراقي، خشية تعرض مفاصلها الأمنية والعسكرية لضربات جوية خاطفة، أو
لعقوباتٍ أميركية، خصوصاً إذا ارتأت القوات الأميركية في العراق
استخدام صلاحيات الفصل الدولي السابع، بذريعة استهداف معسكرات تدريب
الإرهابيين المتسللين للعراق، أي تعطيل دور سورية المحوري في العراق
بالتعاون مع تركيا وإيران.
4- إفهام المنظومة العربية والخليجية، وكذلك تركيا، بأن حجم ما تقدمه
من تنازلات في العراق والمنطقة لواشنطن، من شأنه تفكيك تحالف حكومتي
بغداد وطهران من جهة، ودمشق وطهران من جهةٍ أُخرى، شرط دفع فواتير هذا
التنازل لإسرائيل عبر إعلان كلتا المنظومتين التطبيع الكامل معها، بغية
تحسين صورة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وتحريك عملية السلام،
وتشجيع الناخب الأميركي »الأصلي والمجنس« على تجديد ولاية أوباما
الأولى نكايةً برِهان جمهوريي أميركا على فشل إدارة أوباما
الديموقراطية في تحقيق أي شيء يذكر عبر حراكها الديبلوماسي، الذي يفتقر
إلى أدوات العقاب العسكري والاقتصادي.
5- وضع جميع الأطراف الدولية والإقليمية المساهمة في مواصلة قطيعة
بغداد- دمشق وإنهائها، على مفترق طرق: إما قبول شروط السلام الشامل
بنموذجها الأميركي الحالي، أو إعادة العراق إلى المربع الأمني الأول،
وإيصاله إلى حافة الحرب الأهلية، مع فرض سياسة الأمر الواقع (التقسيم)،
شرط فتح جيران العراق وكذلك أوروبا أبواب هجرة العراقيين إليها.
6- مساومة الوسيط التركي بين بغداد ودمشق، المتجسد بحكومة »حزب العدالة
والتنمية« الإسلامي، بإلقاء تبعات نجاح أو فشل وساطته على عاتق حكومته،
عبر تهديدها داخلياً بعدة ملفات، أبرزها »حزب العمال الكردستاني«
وضرورة تقديم حلول جذرية لطي هذا الملف.
7- نجاح وساطة حكومة تركيا الإسلامية، بين بغداد ودمشق، سيواجه بتحريك
ملفات تهديدها بموضوع الانقلابات العسكرية عبر علمانيي تركيا. بذريعة
مزاحمة النفوذ التركي لنظيره الإيراني في العراق، وقيامه بتحريك خيوط
اللعبة السياسية. وفشل وساطة حكومة تركيا الإسلامية سيقود لإعادة
واشنطن وأوروبا النظر في دعمها مستقبلاً من عدمه، بذريعة أن فشلها في
مصالحة جيرانها، سينسحب على فشلها في تقريب وجهات نظر دول المنطقة مع
إسرائيل.
8- حرق الأميركيون ورقة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في يد
إيران، لسعيها الى ضمه لتشكيلة »الائتلاف الشيعي« الحاكم الجديدة، ما
سيحقق فوزه برئاسة الحكومة مجدداً، وهذا سيقود إلى هيمنة إيران عبر
الائتلاف المذكور على مقاليد السلطة في العراق مجدداً، ما دفع واشنطن
لتوزيع دعمها وبطريقة غير متساوية لخصومها وحلفائها، الذين يشكلون نقطة
التقاء وافتراق المصالح الأميركية - الإيرانية داخل العراق.
9- لعب واشنطن على المتناقضات السورية - الإيرانية حيال كيفية التعامل
مع العراق، ما يسهل تفكيك »محور الممانعة«، بغية إحلال النفوذ التركي
محل السوري - الإيراني في لبنان وفلسطين. وما تشهده الساحة اللبنانية
من اصطفافات سياسية ودينية، وظهور »دولة غزة الإسلامية« المناهضة
لـ»حركة حماس« في القطاع، يؤكد ذلك الرأي.
10- مواصلة واشنطن تنفيذ مخطط تفريق »الحلفاء«، عبر دعمها وتركيا تحالف
نوري المالكي العشائري الجديد، المتمسك بعروبة الموصل وكركوك في وجه
الأكراد، بغية عدم انضمامه لتشكيلة الائتلاف الشيعي الجديدة، المدعوم
من قبل إيران، التي وضعت كافة بيوضها في سلة »المجلس الأعلى« الذي يقود
الائتلاف السابق والجديد، في مواجهة ائتلاف المالكي وحزب الدعوة
الإسلامي المدعوم من قبل أنقرة، وهذا سيدفع واشنطن وطهران إلى تنفيذ
مخطط إسقاط حكومة المالكي، وإفشال المجلس الأعلى والائتلاف الشيعي في
الانتخابات المقبلة، عبر مواصلة إيران خنق مياه الأنهر العراقية
النابعة من أراضيها، ما يسهل عملية عدم تصويت العراقيين المستائين من
ذلك التصرف، لقوائم تدعمها إيران وفي مقدمتها الائتلاف الحاكم.
11- وضع محور سورية - تركيا - إيران الذي يشكو من معضلة الأكراد
الانفصاليين، على مفترق طرق، إما قبوله باستقلال »إقليم كردستان« قبيل
تشكيل حكومة بغداد منتصف 2010، أو قبول برهم صالح، رئيساً لحكومة
العراق الجديدة، بدل أي متحزب شيعي إسلامي موالٍ لطهران. ولهذا السبب
قدم صالح استقالته الشهر الماضي من منصب »نائب رئيس حكومة بغداد للشؤون
الاقتصادية«، بذريعة تفرغه لترؤس حكومة إقليم كردستان المنتخبة. بينما
الغاية من تلك الخطوة التي جاءت بتوجيه »أميركي بريطاني«، هو إبعاد
الأنظار عن تسلم برهم صالح (كردي) رئاسة حكومة العراق 2010، وصقل
شخصيته بشكلٍ جيد كي يحظى بإجماع كافة العراقيين، بسبب تلمذته على أيدي
أمهر القيادات الأميركية - البريطانية الليبرالية.
12- زيادة الخلافات بين جيران العراق حول إيصال كلٍ منهم حليفه العراقي
إلى رئاسة الحكومة الجديدة، عبر قيام الأميركيين بتوزيع الأدوار على
هؤلاء الجيران وربط تدخلهم بموضوع تصاعد العنف العراقي الدموي، وإلقاء
تبعاته عليهم، بغية إفهام الشارع العراقي بأن بقاء الأميركيين داخل
العراق وفي 6 قواعد إقليمية تجاور جيران العراق (الست)، هو الحل الأسلم
لوقف تدفق الإرهاب من هؤلاء الجيران إلى داخل العراق، بذريعة خشية
الولايات المتحدة من قيام حرب أهلية تسهل عملية تقسيم العراق.
13- سهلت قطيعة بغداد - دمشق، فرض الإملاءات الأميركية مجدداً على
جيران العراق، الذين يحاول كلٌّ منهم إيصال مرشحه لرئاسة حكومة بغداد
لعام 2010، وهذا سيخفف من قبضة طهران على هذه الحكومة، إثر تقديم محور
واشنطن - باريس - لندن مرشحه الوحيد لرئاسة حكومة بغداد المقبلة، »عادل
عبد المهدي«، نائب رئيس الجمهورية الحالي، والقيادي البارز في الائتلاف
الشيعي السابق والحالي، والمجلس الأعلى. بذريعة منح عبد المهدي فرصة
لتجريب حظه، بعيداً عن التأثيرات الإيرانية، كونه منع من الوصول لرئاسة
حكومة بغداد الحالية بضغطٍ من إيران على »التيار الصدري«، الذي أوصلت
أصواته نوري المالكي - غريم عبد المهدي - إلى رئاسة الحكومة الحالية
عام 2006 حين جرت عملية المفاضلة بين عبد المهدي والمالكي وابراهيم
الجعفري.
14- الغاية من دفع عبد المهدي صوب رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، هو
تسهيل عملية تمزق المجلس الأعلى والائتلاف الشيعي الحاكم أكثر،
وبالتالي تراجع النفوذ الإيراني داخل العراق، ودفع بقية الدول
الأوروبية على تجذير نفوذها داخل العراق لمحاربة النفوذ الإيراني،
وتخفيف هذه المهمة عن كاهل الأميركيين. وبالتالي ضمان أوباما تجديد
ولايته، عبر تنصله من مواجهة الصراع داخل العراق مع إيران، عبر بدلائه
الأوروبيين.
15- زج دول الجوار الخليجية في صراع الاتهامات المتبادلة بين حكومتي
بغداد ودمشق، للحصول على دعم خليجي جديد في مواجهة إيران داخل العراق،
ومن ثم إضعاف حكومة المالكي من قبل واشنطن، إثر تحوله إلى عبء عليها،
وعلى علاقاتها مع حلفائها، كون قراراته الجنونية الخاطئة والمشابهة
لقرارات صدام حسين، لم تعد ذات فائدة بالنسبة لمشروع الهيمنة الأميركي،
بسبب توزيعه اتهاماته المجانية على خصوم وحلفاء الولايات المتحدة،
الذين حان دور تقليمهم أظافر المالكي بسبب تحالفه الوثيق مع إيران،
ومحاولته الخروج من الشرنقة الأميركية والتحليق في الفضاء الإيراني.
|