|
ما هي
خلفيات مسلسل الكاتيوشا؟
إسرائيل لن تضرب الجنوب ... بل البقاع
الديبلوماسية
الدولية تحظـِّر حالياً
على إسرائيل
القيام بأي
رد
غير
متوازن ... لكن
إلى متى؟
إسرائيل تمكنت أخيراً
من إقناع
العديد من العواصم بضرورة توجيه ضربة قاسية إلى
»
حزب الله «...
لكن
الخلاف هو حول التوقيت
واشنطن بعثت عبر قطر برسالة واضحة إلى
»
حزب الله « و»حماس «: »
نضمن لكم
السلامة طالما لا تتحركون ..
وإذا
ما حدث شيء من قبلكم فإن لإسرائيل الحق بالرد بعنف
غير
محدود « ..
هذه
المعادلة الحذرة مستمرة منذ وصول أوباما إلى الحكم قبل
9
أشهر
مصدر
عسكري
أطلسي
:
الوضع جنوب الليطاني
هو
»
تحت السيطرة « عسكرياً . ومن المستحيل على أي
فصيل
أياً
كانت
إمكاناته العسكرية،
فتح جبهة مع
إسرائيل انطلاقاً
من جنوب
لبنان . - »
لدى القوات
الدولية القدرة على إقفال كل هذه المنطقة عسكرياً
وتقنياً
واستخباراتياً
خلال أقل من
ساعة وجعل أي
حركة فيها
شبه مستحيلة «.
كتب
المُحرِّر الديبلوماسي :
بينما
يتساءل الإعلام اللبناني
والعربي
بإلحاح عن هوية الجهة التي
تقوم دورياً
بتنفيذ مسلسل إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جنوب لبنان في
اتجاه إسرائيل،
لا تبدو الديبلوماسية الدولية مهتمة بتاتاً
بهذه النقطة بالذات
.
لماذا؟
لأنه سواء كان
»
حزب الله « هو الذي
يطلق هذه الصواريخ مباشرة ... أم هو
يكتفي
بغض النظر عن إطلاقها تاركاً
فصيلاً
آخر
يقوم بذلك ... وسواء كان
»
حزب الله « على
غير علم بما يجري
وأن إطلاقها هو من فعل فصيل آخر : فلسطيني
مقرّب من سورية ... أو إسلامي
غامض الارتباطات ... فإن الأمر في
النهاية سيان،
ولا
يغير شيئاً
في
معنى هذه الصواريخ التي ترمى على حدود إسرائيل من حين إلى آخر . فإطلاق
هذه الصواريخ ليس مجرّد عملية عبثية ويائسة كما قد
يبدو للوهلة الأولى،
بل هو
يهدف إلى توجيه
»
رسائل « عدة
:
-
رسالة إلى المجتمع الدولي
:
هذه الصواريخ تقول بإسم المحور
»
الممانع « في
المنطقة
(
في
جانبه الإيراني،
أو السوري،
أو الفلسطيني،
أو الإسلامي ): انتبهوا،
ما زلنا قادرين على استخدام جنوب لبنان كساحة،
هذه ورقة
يمكننا تسخينها إذا ما أردنا
.
-
رسالة إلى الأمم المتحدة : هذه الصواريخ تبرهن أن القوات الدولية
المعزّزة المنتشرة منذ أكثر من
3
سنوات في
هذه المنطقة الصغيرة الممتدة من جنوب نهر الليطاني
إلى الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل،
غير قادرة على ضبط الوضع الأمني
فيها . أي : نحن على الأرض . ونحن قادرون إذا ما أردنا استهداف القوات
الدولية ايضاً
.
-
رسالة إلى الحكومة اللبنانية
:
هذه الصواريخ تبين أن الحكومة اللبنانية وجيشها،
حتى ولو كان مدعوماً
من قبل
12
ألف عسكري
دولي،
لا تزال
غير قادرة على ضبط الوضع . أي
إلى دعاة قيام الدولة : لا
ينفع الاستقواء بالقوات الأجنبية
.
-
رسالة إلى إسرائيل
:
لا تطمئنوا تماماً
إلى أمن الجليل ولا تفرحوا بانتشار القوات الدولية على طول حدودكم
الشمالية ... فبإمكاننا على الرغم من ذلك أن نقض مضاجعكم من حين إلى
آخر
.
بالطبع،
إضافة إلى هذه
»
الرسائل « التي
تحملها الصواريخ ... هناك جانب عسكري
محدود الأهمية على الصعيد الاستراتيجي
ولكنه مهم على الصعيد التكتيكي
بالنسبة إلى الأطراف الموجودة على الأرض،
وفي
مقدّمها بالطبع
»
حزب الله
«
،
لأن إطلاق الصواريخ
يقدم مجموعة من
»
الدروس
«:
-
هذه الصواريخ هي
بمثابة امتحان دوري
لمدى جهوزية الجيش الإسرائيلي
ونقاط ضعفه على طول الخط الحدودي : هل
يرد بسرعة؟ هل
يرد بدقة؟ ما الفرق العسكري
والتقني
بين قواته المتمركزة في
هذا القطاع أو ذاك؟
-
هذه الصواريخ هي
كذلك بمثابة
»
جس نبض
«
لمعرفة هامش الحركة التي
يمتلكها الجيش الإسرائيلي
ميدانياً
(
أي
مدى الضوء الأخضر المعطى له من قبل الحكومة الإسرائيلية بالرد من دون
العودة إليها ): هل
يكتفي
ببضع قذائف؟ هل
يعود إلى منطق تلقين الدرس أي
مقابل صاروخ واحد
يقوم بقصف عنيف وأعمى؟ هل
يمتد رده إلى المناطق الآهلة لكي
يدفـِّع السكان الثمن أيضاً؟ هل
يستخدم سلاح الجو؟ إلخ
.
لكن،
على الرغم من كل هذه
»
الرسائل « و»الدروس
«
،
فإن الحقيقة أن كل هذه الإشكالية
»
الصاروخية « لا تثير اهتماماً
حقيقياً
في
الدوائر الديبلوماسية الدولية،
بل هي
تنظر إليها بشيء من الازدراء
.
هذا ما تأكدنا منه بالفعل
غداة آخر عملية إطلاق صاروخ كاتيوشا مساء الثلاثاء الماضي
27
الجاري
من منطقة حولا في
جنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل
(
وهو صاروخ سقط شرق مستعمرة كريات شمونة في
أرض خلاء ولم
يحدث أي
إصابات
)
،
والرد الإسرائيلي
المحدود على هذا الصاروخ
(
بثماني
أو عشر قذائف سقطت في
سهل حولا،
كذلك من دون إحداث أي إصابات ). فلقد سألنا مصدرين
غربيين في
بروكسيل،
أولهما مصدر ديبلوماسي
في
مفوضية العلاقات الخارجية في
»
الاتحاد الأوروبي
«
،
وثانيهما مصدر عسكري
في
مقر
»
حلف شمال الأطلسي
«
،
وكانت أجوبتهما متقاربة في
الجوهر
.
أوّلاً
من الناحية بحت العسكرية
:
-
الصاروخ الذي
أطلق مساء الثلاثاء الماضي
هو الصاروخ التاسع الذي
يسقط في
الأراضي
الإسرائيلية منذ انتهاء حرب صيف
2006،
أي
منذ أكثر من
3
سنوات . خلال تلك الحرب،
كان » حزب الله « يتمكن أحياناً
من إطلاق
9
صواريخ في
اتجاه إسرائيل في
أقل من دقيقة . أي
أن ثمّة فرقاً
هائلاً
في
الوضع
.
-
فعالية هذه الصواريخ شبه معدومة
.
لم
يسقط من جرائها لا قتيل ولا جريح في
إسرائيل . هي
أشبه بمفرقعات عمياء ترسل إلى ما وراء الشريط الحدودي
.
-
إطلاق هذه الصواريخ
هو من الناحية بحت العسكرية أقرب إلى
عملية طفولية،
إن في
تقنيتها البدائية
(
مدى قصير،
هدف
غير دقيق،
أضف أنه مقابل كل صاروخ
يطلق
ينكشف أمر صواريخ عدة لم تنفجر
)
،
وإن في
تكتيكها،
كون هذه العملية قائمة على مبدأ : » أضرب وأهرب
«
،
لكن من دون أي
استمرارية،
ولا رد على الرد،
ولا قدرة على التصعيد
.
-
الوضع في
المنطقة الواقعة جنوب الليطاني
هو
»
تحت السيطرة « من الناحية العسكرية . هذا لا
يلغي
إمكانية
»
حرتقات أمنية
«
،
لكن من المستحيل أن
يتمكن أي
فصيل عسكري،
أياً كانت إمكاناته العسكرية،
من فتح جبهة مع إسرائيل انطلاقاً
من جنوب لبنان . المصدر العسكري
الأطلسي،
الذي
كان
يتحدث أمام مجموعة من الصحافيين ظهر الأربعاء
28
الجاري،
قال حرفياً : » من الناحية العسكرية والتقنية والاستخباراتية،
لدى القوات الدولية القدرة على إقفال كل هذه المنطقة خلال أقل من ساعة
وجعل أي
حركة فيها شبه مستحيلة . لا أتكلم هنا عن مجرّد وضع حواجز على الطرقات،
بل عن فصل كامل لهذه المنطقة عن شمال الليطاني
لأن المهمة الأساسية للقوات الدولية هي
حفظ الأمن داخل هذه المنطقة . من
غير الواقعي أن نتخيل أن بإمكان البعض التجوّل مع مئات الصواريخ،
ومن ثم نصبها ورميها على إسرائيل والعودة في
ما بعد إلى منازلهم «. لكنه استطرد : » غير أن ذلك لا
يلغي
إمكانية حدوث عمليات إخلال بالأمن محدودة وغير متواصلة،
فالقوات الدولية في
جنوب لبنان لم تكتسب بعد خبرة مماثلة لخبرة الجيش السوري
في
ضبط جبهة الجولان
«.
أمّا من الناحية السياسية،
فيمكن تلخيص الملاحظات التي
استمعنا إليها كما
يلي
:
-
إسرائيل ليست حرّة حالياً
في
استخدام قدراتها العسكرية . ذلك أن الديبلوماسية الدولية تحظـِّر
حالياً
على إسرائيل القيام بأي
رد فعل
غير متوازن مع ما تتعرض له من عمليات . أي أن ردها
يجب أن
يكون بالحد الأدنى بالفعل . منذ وصول الرئيس الأميركي
باراك أوباما إلى
»
البيت الأبيض
«
،
واشتراطه انسحاب إسرائيل الكامل من
غزة قبل تسلمه مهامه،
ثمّة
يد ثقيلة تمسك ذراع إسرائيل العسكري
وتمنعه من التحرّك . لم
يسبق للجيش الإسرائيلي
ربما في
تاريخه أن فرضت عليه هذه الدرجة من ضبط النفس أمام المفرقعات الآتية من
حين إلى آخر من
غزة أو من لبنان
.
-
هذا المنع الدولي،
الأميركي
أوّلاً
بالطبع،
لإسرائيل بالإفراط في
استخدام القوة
لا
يمكن أن
يستمر إلى ما لا نهاية
.
إسرائيل موافقة عليه طالما أن لا عمليات إرهابية تحدث على أراضيها
وطالما أن مفرقعات الكاتيوشا وصواريخ
غزة لا تحدث خسائر بشرية . هناك رسالة واضحة أوصلت من قبل واشنطن إلى
»
حزب الله « و»حماس
«
،
عبر قطر : » نضمن لكم السلامة طالما أنكم لا تتحركون . إسرائيل أمامها
ضوء أحمر . لا اغتيالات ولا
عمليات عسكرية كبيرة . لكن إذا ما حدث أي
شيء من قبلكم،
فإن لها الحق بالرد بعنف
غير محدود «. ويبدو أن هذه المعادلة الحذرة
»
ماشية « منذ وصول أوباما،
أي
منذ أكثر من تسعة أشهر
.
-
إسرائيل،
كما سبق وذكرنا في
»
المُحرِّر العربي « قالت مراراً
وتكراراً
أن عمليتها المقبلة في
لبنان لن تكون بمثابة رد على عملية من قبل
»
حزب الله « كما كان
يجري
الأمر في
السابق ( وهي
على أي
حال تبرئ ساحة
»
حزب الله « من مسؤولية صواريخ الكاتيوشا ). إسرائيل تقول إن ضربتها
ستكون هذه المرة مختلفة تماماً . وإنها ستختار التوقيت والمكان . وإنها
لن تنجر مثلاً
إلى اجتياح الجنوب أو إلى قصف الجنوب بقسوة لأن صواريخ كاتيوشا أطلقت
منه
(
حتى وإن أدى ذلك إلى سقوط قتلى في
إسرائيل
).
-
المنطقة الواقعة جنوب الليطاني
هي
اليوم في
الواقع بمثابة منطقة فاصلة بين
»
حزب الله « وإسرائيل . لكن إضافة إلى هذا الفصل الأمني،
ثمّة رهان
غير معلن،
دولي
وإسرائيلي، على إحداث فصل دائم بين سكان هذه المنطقة و»حزب الله «.
وهذا
يتطلب أن لا تقوم إسرائيل بإيذاء أهل الجنوب
.
-
الضربة التي
تعدّها إسرائيل منذ أشهر في
لبنان لا تستهدف الجنوب بتاتاً،
ليس فقط للسبب السياسي
الذي
أشرنا إليه للتو،
وليس احتراماً
للقوات الدولية،
بل لسبب بحت عسكري : إسرائيل قلقة فقط من قدرات
»
حزب الله « الصاروخية البعيدة المدى . الصواريخ القريبة المدى أو
المتوسطة المدى لا تهمّها،
لأن
»
حزب الله « لم
يعد بإمكانه أن
يطال الأراضي الإسرائيلية بشكل فعّال بواسطة هذه الصواريخ من المنطقة
الواقعة شمال الليطاني . ما
يهمّ
إسرائيل هي
قواعد الصواريخ البعيدة التي
يمكن أن تطال المدن الإسرائيلية ويمكن أن تحمل متفجرات ... أو شحنات
كيميائية أو حتى نووية . يبدو أن الإسرائيليين على ثقة بأنهم على معرفة
بخريطة قواعد هذه الصواريخ في
البقاع . وبالتالي
هم
يريدون ضربها جواً
فقط . أي
أن الحرب الإسرائيلية لن تكون اجتياحاً
بل قصفاً
.
-
إسرائيل تمكنت أخيراً
من إقناع العديد من العواصم الدولية
-
مثل واشنطن،
باريس،
لندن،
برلين،
وعواصم أوروبية وغربية أخرى
-
بضرورة توجيه ضربة قاسية إلى
»
حزب الله «. هناك توافق دولي
على أن ضرب الحزب أمر
»
مفيد « ليس فقط لأمن إسرائيل،
بل لأمن المنطقة
لأنه
يضعف إيران وإسرائيل
(
ويفتح الباب أمام بناء الدولة اللبنانية ).
لكن
هناك تفاوت حول التوقيت . العواصم الدولية تقول إنه من الضروري
انتظار انجلاء المفاوضات الجارية مع إيران حول ملفها النووي
(
وتعطي
إسرائيل موعداً
في
مطلع
2010
لتقييم ذلك ). أي
أن هذه العواصم تعتبر أن ضرب
»
حزب الله « الآن سيكون عملية استفزاز لإيران قد تتذرع بها لإيقاف
المفاوضات،
بينما المطلوب حالياً
هو السير في
المفاوضات إلى النهاية ليس لأن هناك قناعة بحسن نية إيران،
بل لأنه من الضروري،
من النواحي
الديبلوماسية والقانونية والمعنوية والإعلامية،
أن تتأكد جميع دول العالم والرأي
العام الدولي
بأن الأسرة الدولية بذلت كل ما في
وسعها للانفتاح على إيران
وللتفاوض معها بصدق،
ولتحميل طهران المسؤولية الكاملة في
حال فشلت هذه المفاوضات ووصلت الأمور إلى المأزق مع ما سيستتبع ذلك من
توتر دولي وعقوبات وربما ضربّة عسكريّة،
إما ضد إيران و»حزب الله « سوية
(
لأن الحزب سيتحرّك حكماً
إذا ما بدأت
»
أم المعارك « ضد إيران )... وإمّا ضد
»
حزب الله « أوّلاً
ومن ثم ضد إيران . أمّا في حال تم التوصل إلى صيغة حل شامل مع إيران
-
وهذا احتمال مستبعد
-
ليس فقط حول ملفها النووي
بل أيضاً
حول دورها في
المنطقة،
فإنه من الممكن حينئذ أن
يتم نزع سلاح » حزب الله « بمجرد إيعاز من إيران . من ناحيتها،
تعتبر إسرائيل أن كل هذه المقاربة خاطئة لأنها تسمح لإيران بالتلاعب
على التناقضات وكسب الوقت،
وأن
أفضل وسيلة لتليين موقف إيران في
المفاوضات هو حرمانها من ورقتها الأساسية في
المنطقة : » حزب الله «. إذاً،
الخلاف ليس على ضرورة إضعاف
»
حزب الله
«
،
بل على كيفية وتوقيت ذلك
.
|