إتصل بنــا

وصلات هامــــة

إنتســب وأرسل مقالاتك

مقالات وتعليقات مختلفة

الصراع العربي الإسرائيلي

مـــن نحـــن

الرئيسية

 

 

 

صرخة من أعماق الذاكرة

حوار خاص مع عميد الأسرى المقدسيين فؤاد الرازم وهو يدخل عامه الثلاثين فى سجون الاحتلال

 

نشرة خاصة صادرة عن مركز الأسرى للدراسات

 

س : هل يمكننا التعرف على بطاقتك الشخصية؟

اسمي  : فؤاد قاسم عرفات الرازم.

والكنية : أبو القاسم .

تاريخ الميلاد 9/2/1957م.

 من سكان مدينة القدس حي سلوان.

 الحالة الاجتماعية أعزب.

 التحصيل العلمي دبلوم شريعة إسلامية.

 الوضع الصحي متوسط (والحمد لله).

 

س- حدثنا عن طفولتك وحياتك حتى الاعتقال ؟

حياة الطفولة في ظل الاحتلال مسلوبة منا جميعاً في كل أنحاء فلسطين، فما بالك لو عشت طفولتك  في مدينة القدس التي أفسد الاحتلال كل حياتها، من تهويد وتغيير لمعالمها.فمنذ مراحل الطفولة الأولى والإنسان في هذه المدينة يواجه ظروفاً صعبة وقاسية.

 ورغم هذه الظروف فقد التحقت بالدراسة في سن السابعة، تلقيت التعليم الابتدائي حتى الصف السادس الابتدائي في مدرسة سلوان الابتدائية وكنت من الطلاب المتفوقين ثم انتقلت إلى مدرسة سلوان الإعدادية من الصف السابع حتى الصف التاسع وبما أن هذه المدرسة ليس بها تعليماً ثانوياً انتقلت للدراسة في مدرسة دار الأيتام الإسلامية وهي مدرسة أهلية أكملت فيها دراستي الثانوية، وحصلت على شهادة الثانوية العامة " التوجيهي " ثم التحقت بالمعهد الشرعي في القدس عام 1977م ، وأثناء دراستي في المعهد الشرعي عملت موظفاً في دائرة الأوقاف الإسلامية وإماماً لمسجد في إحدى ضواحي مدينة القدس، أنهيت دراستي في المعهد سنة 1979م .

وضع أسرتي .. عائلتنا تنحدر في الأصل من مدينة الخليل، هاجر والدي من الخليل إلى القدس في بداية الأربعينيات طلباً للعمل والرزق واستقر به المقام في القدس منذ تلك السنوات وضع الأسرة متوسط الحال وهي أسرة محافظة، عدد أفراد الأسرة كبير نسبياً حيث أن الوالد تزوج من امرأتين، لي من الذكور خمسة أخوة ومن الإناث إثنى عشر.

 

س- هل لك أن تعطينا لمحة عن مسيرة عملك الجهادي خارج السجن؟

هذا موضوع طويل ولكن سأجيب عليه باختصار قدر الإمكان، بداية عملي النضالي كانت في عام 76حيث كنتُ أشارك في المظاهرات التي كانت تنطلق من ساحات المسجد الأقصى المبارك على إثر مذابح ومجازر تل الزعتر في لبنان، وقد استمرت تلك المظاهرات ما يقرب الشهرين، وقد كان لنا دور كبير في ريادتها وقيادتها كون المدرسة التي كنت أدرس بها قريبة من المسجد الأقصى حيث أن المدرسة تقع داخل البلدة القديمة وملاصقة للمسجد الأقصى، في تلك السنة تدربت على صناعة قنابل المولوتوف على أيدي أحد الطلاب وقمت بصناعة عدة زجاجات مولوتوف وقمت بإلقائها على قوات الاحتلال ومنذ تلك اللحظة بدأ نشاطي السياسي والجهادي، في هذه السنوات لم أكن أفكر بالانتماء لأي فصيل فلسطيني على الساحة، بسبب أنها فصائل لا تقوم على أساس إسلامي، وبدأت بالتفكير مع أصدقاء لي بتكوين مجموعة ذاتية تقوم على أساس إسلامي لعدم وجود تنظيم يحمل الفكر الإسلامي وتعاهدنا على ذلك.

وبدأنا نبني أنفسنا ذاتياً وأول ما قمنا به هو العمل على تقوية أنفسنا بدنياً فقمنا بالتدريب على رياضة الكاراتيه حيث كان أحد أصدقاءنا يحمل الحزام الأسود وبدأ يدربنا، اتفقنا على الحصول على السلاح من عدونا أو من بحوزته سلاح عن طريق القوة... فكنا نتجول في شوارع القدس ومحيطها ليلاً في كل ليلة يكلف اثنان بالتجوال من أجل الحصول على السلاح عن طريق القوة... عن طريق الخطف في ليلة 9/3/1978م كان أخوان من المجموعة في مهمة استطلاع ورصد فلاحظا حارساً يحمل مسدس.

راقباه ... حتى وصل إلى منطقة خاليه وانقضا عليه وخطفنا منه المسدس ... كان هذا أول مسدس نحصل عليه وهو من نوع جولد ستار " طاحونة" وفيه ستة رصاصات فقط.

بعد أقل من شهر بتاريخ 4/4/78 نفذنا أول عملية اغتيال باستخدام هذا المسدس حيث قمنا بمهاجمة أحد الجنود في شرق مدينة القدس كان بحوزته سلاح من نوع " إم 16 " فأطلقت النار عليه من مسافة صفر رصاصة واحدة فقط على رأسه فسقط قتيلاً، كان هدفنا أن نأخذ سلاحه لكننا لم نستطع بسبب ارتباك الأخ الذي كان من المفروض أن يأخذ السلاح وثانياً لأن سيارة إسرائيلية وصلت في نفس اللحظة التي تم إطلاق النار فيها، فآثرنا الفرار على أخذ السلاح.

وقد كانت هذه أولى العمليات التي قمنا بتنفيذها وقد تبنتها حركة فتح، ولم نتبناها نحن، أما الأعمال الأخرى التي قمنا بتنفيذها وهي :

1- اقتحام مدرسة ثانوية في القدس تابعة للبلدية وسلب كل ما بداخل مختبرها من مواد كيماوية بهدف تصنيع العبوات.

2- اغتيال جندي عام 1978م .

3- خطف مسدس ثاني من شرطي.

4- محاولة اغتيال عميل في سلوان وقد أصيب إصابات بالغة.

5- خطف مسدس ثالث في بيت حنينا.

6- قتل مستوطن يهودي في القدس بتاريخ 17/9/79 بإطلاق النار عليه .

7- توزيع منشورات في مدينة القدس وساحات المسجد الأقصى تحرض على الجهاد والمقاومة، وتوزيع منشورات تهدد وتتوعد كل من يقوم ببيع أراضي أو منازل لليهود وقد كنا نوقع هذه المنشورات باسم الحركة الإسلامية المجاهدة ـ خلايا صلاح الدين الأيوبي.

8- محاولة اغتيال عميل آخر في سلوان .

9- اقتحام أحد مكاتب الحراسة أملاً في العثور على سلاح ولكن لم نعثر إلا على عوزي وأجهزة لاسلكي.

10-                    حرق سيارات إسرائيلية في القدس.

11-       إلقاء قنبلة يدوية في منطقة باب الخليل على مدرسة يهودية للموسيقى، وقد انفجرت القنبلة وحسب إدعائهم لم تصب أحد بأذى.

12-        إلقاء قنبلة يدوية في مطعم الدولفين في القدس، القنبلة لم تنفجر ولم تلحق إلا أضراراً بسيطة علماً بأن هذا المطعم يديره يهودي ورواده هم من رجال المخابرات والسياح الأجانب وعليه حراسة مشددة.

هذه هي أهم الأعمال التي قمت بها أو شاركت فيها على مدار تاريخي النضالي، غير ذلك شاركت في المظاهرات التي قامت في القدس للمطالبة بإغلاق سجن نفحه على إثر الإضراب الشهير عام 1980.

- الاعتقال ؟

قبل أن أتحدث عن كيفية الاعتقال في عام 1981م لا بد من الإشارة إلى أنه تم اعتقالي قبل هذه المرة في عام 87 بعد عملية الاغتيال الثانية بيوم، حيث تم العثور على المسدس في حارتنا بالقرب من بيتنا وكانت هناك اعتقالات عشوائية وتم التحقيق معي حول المسدس والاغتيال لمدة 48ساعة وقد أنكرتُ أي صلة لي بالمسدس أو القتل وبما أنه لم يكن لدى المخابرات أي دليل ضدي آنذاك وتم الإفراج عني بعد 48 ساعة.

أما حادثة الاعتقال الثانية فهي كالتالي:

تم اعتقال أحد الأخوة الذي كانت تربطني به علاقة نضالية أثناء دراستنا في المعهد الشرعي كان اعتقاله قد تم خلال سفره عن طريق الجسر وهذا الأخ من سكان منطقة جنين، وقد سألته المخابرات عن أصدقاءه في المعهد الشرعي ومن كان منهم يملك سلاح، فاعترف عليّ وقد كنت دربته على استخدام المسدس هو وأخ آخر من قرية بدو منطقة رام الله على أمل أن يقوما بما كنا نقوم به من عمليات من خطف مسدسات أو عمليات قتل... وعندما اعتقلت وجدت الاثنين أمامي في التحقيق وقد اعترفا عليّ بحيازة المسدسات وخطفها من الشرطة والحراس وبقيادة مجموعة ... ومن خلال جمع المعلومات الأولية تم كشف كل الخلية واعتقالها.

 

 

س: لقد أمضيت ما يقارب من 30 عام فى  السجون، في أي السجون كنت؟ وكيف استطعت التغلب على هذه المحنة؟ وبأي الوسائل؟

        لقد أمضيت هذه الفترة الزمنية متنقلاً بين السجون وخاصة بعد أن مارست العمل التنظيمي بشكل حقيقي، فبعد الانتهاء من التحقيق معي في المسكوبية تم نقلي إلى سجن الرملة (نيتسان) على أثر اتهامي بمحاولة هروب من السجن فمكثت فيه حوالي سنة ونصف موقوفاً بانتظار المحاكمة .. وهذا السجن كان ملىء بالمشاكل الكثيرة لأنه مكان توقيف وفيه سجناء  أمنيون ومدنيون عرب ويهود والغرف مختلفة بينهما فى القسم الواحد .

بعد أن صدر علينا الحكم بالسجن المؤبد تم نقلي إلى سجن عسقلان وذلك في بداية شهر 7  - 1982م فمكثت في هذا السجن حوالي 9 سنوات وعوقبتُ خلالها مرات عديدة بسبب خطب الجمعة، بتاريخ 10-3-91 تم نقلي إلى سجن بئر السبع على أثر خطبة جمعة وبقيت في العزل 3 شهور كعقاب في زنزانة انفرادية بالإضافة إلى حرماني من الكنتين والأدوات الكهربائية ومنع الزيارات ولم أخرج من العزل إلا بعد تقديم شكوى للمحكمة المركزية في بئر السبع ثم أعادوني إلى سجن عسقلان ومكثت هناك 3 شهور نُقلتُ بعدها إلى سجن بئر السبع قسم 4 (أوهلي كيدار) وتعني( الخيام المظلمة) مكثت في هذا السجن سنتين وفي

30 – 5 – 1994  بعد اتخاذ قرار بإغلاق هذا القسم للأمنيين تم إعادتي إلى سجن عسقلان ومكثت في هذا السجن حوالي 7 شهور وبتاريخ 3-1-1995 تم ترحيلي إلى بئر السبع مرة أخرى ولكن إلى قسم آخر كنا نسميه قسم 8 وهو عبارة عن قسم عزل يتسع ل 56 شخص فقط وبقيت في هذا العزل الجماعي إلى أن اتخذت مصلحة السجون قرار بإغلاق هذا القسم وفي

15-11-1999 تم ترحيلي إلى سجن شطة قسم 11 مكثت في سجن شطة 13 شهر فقط وكانت الظروف صعبة جداً والشروط الحياتية سيئة حيث تم نقلنا إليه هناك بعد محاولة هرب حصلت في السجن .. ومن ثم تم ترحيلي إلى سجن عسقلان بتاريخ 14-12-2000 مكثت في عسقلان حوالي سنة كاملة وفي 4-12-2001 تم نقلي إلى سجن نفحة  وهذه هي المرة الأولى التي أدخل بها سجن نفحة وفي 30-3-2002 أي بعد حوالي 4 شهور من وصولي سجن نفحة تم نقلي إلى سجن شطة على أثر مشكلة مع إدارة السجن أثناء التفتيش ، وبعد حوالي شهرين من وصولي إلى سجن شطه تم ترحيلي ثانية بتاريخ 5/6/2002 وإعادتي إلى سجن نفحه، ومكثت هناك ما يقرب من سنتين وبتاريخ 16/8/2004م تم ترحيلي إلى قسم "أوهلي كيدار" على إثر إعلان الإضراب في السجون وكان ترحيلي في اليوم الثاني للإضراب الذى عم السجون فى 2004موها أنا أنتقل من سجن لسجن ولا أدرى ما هى المحطات المقبلة بعد 29 عام من الاعتقال – أسأل الله أن تكون محطة الإفراج وليس على الله بعزيز .

 

س : ما هى الوسائل التي تتبعها للتغلب على هذا الابتلاء – جعله الله فى ميزان حسناتك ؟؟

الله عز وجل خلق الإنسان وأودع فيه من الطاقة والقدرة والإرادة ما يؤهله ويمكنه أن يقوى على تحمل الصعاب والمشاق ويتحمل ما تنوء به الجبال الراسيات وهذه الطاقة المختزنة في داخل الإنسان لا يدركها ولا يكتشفها إلا حينما يتعرض الإنسان للابتلاءات والمحن والنوازل فحينها يكتشف ما وهبه الله من الطاقة على التحمل والقدرة على مواجهة الصعاب .

وأهم ما يتسلح به الإنسان المؤمن سلاح الصبر الذي يزيد المؤمن ثباتاً وإيماناً، كذلك فإن التوكل على الله عز وجل وعدم إظهار الجزع أمام أعداء الله.

أما الوسائل فهي:

أولاً: إشغال وقتي بما هو مفيد حيثُ وضعت برنامجاً لنفسي   .

ثانيا:ً القيام بالواجب الدعوي لله عز وجل داخل السجن بدعوة عموم الأسرى إلى التزام طاعة الله سبحانه والاستعانة بتلك الطاعة على قسوة السجن وظلمته .

ثالثاً: القيام بالواجب التنظيمي سواء داخل صفوف الحركة أو من خلال العلاقة مع الفصائل الأخرى.

 

س:  هل خطر على بالك أن تقضي كل هذه السنين في السجن ؟

الحقيقة لا، لم يخطر ببالي أنني يمكن أن أمكث هذه الفترة الطويلة جداً داخل السجن، ففي بادئ الأمر كنت أتوقع أن لا يزيد اعتقالي عن خمسة أعوام حيث كانت هناك آمال كثيرة تتراءى أمام أعيننا بالإفراج عنا خاصة عندما كان يقع أسرى من اليهود بين أيدي تنظيمات العمل الفلسطيني، ففي بداية الثمانينات كان هناك أسرى لدى القيادة العامة " أحمد جبريل " وبنينا على ذلك آمال كبيرة جداً بالإفراج ، ولكن تمَّ التحفظ عليّ فى صفقة أحمد جبريل من ضمن 18 أسير آخر ، ولولا الأمل ما عاش إنسان، وهناك آمال أخرى فتحت أمامي وهى فى بداية عام 1986م حيث أنه تم  تَخطف جنديين إسرائيليين فى جنوب لبنان وهما يوسف باومل ورحميم الشيخ ولكنهم كانا أموات وبدَّل فيهما الحزب بعض أسراه عام 1996م ، وفى 19/10/1986م فُتحَ باب جديد للأمل وهو أسر مساعد الطيار ( رون أراد ) والذي ما زال مفقوداً لحتى هذه اللحظة ، وفُتحَ أمل جديد بعد خطف الجنود الثلاثة فى جنوب لبنان عام 2000م و ولقد تمت الصفقة فى عام 2004م والتي خيًّبت الآمال عند معظم الأسرى الفلسطينيين بكل انتماءاتهم نظراً للأمل الذى عقدوه جرَّاء مجموعة من الوعودات التي قطعها الحزب على نفسه دون أن يتحقق شىء الأمر الذى كان بمثابة المفاجئة علينا وعلى أهلينا من قبلنا ، ولكنني وبصدق لم أبنِ آملاً على الافراجات التي تمت من قِبَل السلطة ، لأن المفاوض الفلسطيني اعتبر قضية الأسرى تحصيل حاصل للمفاوضات ، ويبدوا أنه لم يعرف بعد طبيعة العدو الذى يصالحه .

وثانياً لأن قضية الأسرى لم تجد الاهتمام اللازم من قِبَل السلطة .

وثالثاً لأن الإسرائيليين صنَّفوا الأسرى وفق انتمائهم التنظيمي ( مؤيد ومعارض لعملية السلام ) ووفق أعمالهم التي قاموا بها ، وكنتُ  أنا ممن لم ينطبق عليهم مبدأ  حسن النوايا الإسرائيلية فى الافراجات  - ومن الذين تطلق عليهم إسرائيل باطلة  مصطلح ( أياديهم ملطخة بالدماء ) .

على أي حال وإن كنت لم أتوقع أن أقضى هذه المدة الطويلة فى الأسر ولكنى أقول ( حسبي َالله ونعم الوكيل  ) والحمد لله فأنا راضى بقضاء الله وقدره .

 

س: من المؤكد أن هذه السنين أثرت على جوهر حياتك الاجتماعية والصحية والنفسية ، وخاصة عندما تستقبل أسرى جُدُد قد لا يكونوا  مولودين يوم اعتقالك   فهل تحدثنا عن هذه المؤثرات ؟

بالتأكيد أن الإنسان نتيجة الاعتقال الطويل يتأثر بهذه النواحي الاجتماعية والصحية والنفسية فمن الناحية الاجتماعية هناك شبه انقطاع عن العالم الخارجي في التفاعل الاجتماعي وخاصةً في مثل حالنا الذى يكون فيه الإنسان بعيداً عن أهله وبلده ومحيطه الاجتماعي  ، أما بالنسبة للوضع الاجتماعي فأنا لم أتزوج ولا أخفى أنه فى بعض الأحيان يتوارد على الذهن أسئلة مثل – لو كان لى أولاد لأصبحت الآن جد ولكن مشيئة الله والحمد لله عليها ، وفى المقابل  لربما أحزن على الأسرى المتزوجين لكثرة قلقهم على أبنائهم وأسرهم  ،وأتساءل : لو كان عندي أولاد لأصبَحت حياة السجن أشد قسوة علىَّ طوال هذه السنين ، وربما كان من الصعب علي َّ أن أطيقها فهذه مشيئة الله وقدره ولا راد لقضائه ،  وبصراحة قد كنت أتألم كثيرا ًعندما كان يتوافد إلى السجن أسرى صغار السن في انتفاضة الأقصى هؤلاء الشبان كانوا في عمر الورد أعمارهم تقل عن السنوات التي أمضيتها في الأسر فكان يغمرني إحساس الأبوة وحنانه اتجاههم وبصدق أثارت هذه الأحاسيس في داخلي تساؤلات كثيرة  فى كيفية التعامل معهم، والحمد لله هم أشعروني بما فقدت من شعور  الأبوة والأخوة .

أما التأثيرات النفسية على السجين فهي تقترب إلى داخل السجين مع مرور الأيام والسنوات دون أن يشعر  وخاصة نتيجة الممارسات اللانسانية التي تمارس على الأسير ، هذه الممارسات الشرسة واللاخلاقية تؤثر على السجين حيث يجبر الأسير أن يكظم غيظه مما يترك أثار نفسية على النفس ،  بالإضافة إلى طبيعة الأشياء التي تحيط بالأسير من أشكال وألوان تتعمد إدارة السجن من استخدامها من أجل التأثير على نفسيته ، كل هذه الأشياء كان لها الأثر السيئ ولكن بحمد الله ما زلتُ  أتمتع بمعنويات عالية ونفسية قوية قادرة على تحقيق الانتصار على العدو رغم كل الظروف والصعاب ،  أما بالنسبة للصحة فالحمد لله رب العالمين جيدة -  ولكنى أعاني من بعض الأمراض الخفيفة مثل ضعف النظر الشديد وفتق في الحجاب الحاجز وألم في المعدة وبواسير وإرهاق وتعب مستمر.

 

س: أخ أبو القاسم -  هل أنت نادم على ما قمت به بعد هذه السنوات الطويلة من  الأسر ؟

سامحك الله على هذا السؤال ، فهذا السؤال لا ينبغي أن يكون لأمثالي ،  فأنا أرى أن الجهاد في سبيل الله هو عبادة نتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى ، فما بالك حين تكون القضية قضية مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم و بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين  ، ومن أجل تحرير الأقصى الأسير فهل يندم الإنسان المسلم الرباني الواثق بالله على مثل هذا العمل ؟ أنا اعتبر أن هذا شرف كبير لي ولن أندم على عمل قمت به من أجل الله وفي سبيله ونصرة ً لدينه وتحريرٌ لبيت عزيز من بيوته وأنا أدرك تماماً وأنا أمضي هذه السنوات من عمري داخل السجن فإنما انتقل من صبر إلى صبر فلا فرق بين الحياة داخل السجن أو خارجه لأنها حياة تحت سوط الاحتلال ، وعزائي في هذا الأسر قول الله تعالى : " وما عند الله خير وأبقى" وفي هذا الأسر أعتبر نفسي في جهاد ورباط في سبيل الله مرابطاً على أرض فلسطين وعلى ثغرة من ثغور الإسلام ، كيف أندم وقد خرجت مقاتلاً في سبيل الله من أجل فلسطين التي هي جزء من عقيدتي وآية من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنا أتصور الموقف بين يديّ الله عز وجل حين يسأل المرء بعد أن يدخله الجنة  "هل رأيت شقاءً قط في حياتك ؟ فيجيب  لا والله يا رب ما رأيت شقاءً قط "فيا أخي هذه الحياة الدنيا زائلة ولا تدوم لأحد ونحن مخلوقون فيها للعبادة "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"

ونستطيع تحقيق هذه العبادة فى كل مكان سواء فى السجن أو خارجه ،  على الرغم من أن الإنسان خلق  ليكون حراً طليقاً ليقوم بواجب الخلافة في الأرض حسب ما أراد الله ، ولكن هذا قدر الله أن ندخل السجن ونبقى فيه مدة طويلة - فقدر الله وما شاء فعل - وأنا راضٍ بقضاء الله وقدره ، وأسأل المولى عز وجل أن يجعل عذابات هذه السنوات الطويلة في الأسر في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 

س: تجربة الاعتقال قاسية وبالتأكيد بها من المواقف المحزنة وأيضاً المفرحة فحدثنا عن هذه المواقف ؟

المواقف التي أسعدتني كثيراً هي تلك التي كان يُفرج خلالها عن أخوة أسرى من السجون سواء بعمليات تبادل أو خلال العملية السياسية أو انتهاء الحكم ،  ففي الافراجات  الجماعية ترتسم الفرحة على وجهي وأتسمر أمام التلفاز لمشاهدة الأسرى المفرج عنهم وهم يعانقون أحبتهم وذويهم. أما أصعب اللحظات والأيام التي مرت علىَّ  فهي يوم  صفقة التبادل التي تمت في العالم 1985 مع القيادة العامة (احمد جبريل) حينما تم التحفظ عليّ ضمن 18  أسير آخرين ، وكذلك يوم التوقيع على اتفاقية أوسلو التي تم التنازل فيها عن معظم فلسطين ،  ومن أشد الأيام ألماً وحزناً يوم سماع خبر اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله وكان ذلك يوم 26-10-1995 كان يوماً حزيناً بكل ما تعني الكلمة  ، ومثَّل صدمة كبيرة بالنسبة لي  ، كذلك من الأيام المؤلمة هو يوم فك الإضراب المفتوح عن الطعام  في عام 2004 دون تحقيق انجاز يذكر.

 

 س: بماذا توصي المعنيين في الأمر من سلطة وتنظيمات وقيادات وكوادر وعناصر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين داخل السجن وخارجه ؟

        أوصي المعنيين في الأمر من سلطة وتنظيمات أن يتقوا الله في الأسرى ،  وان يقوموا بدورهم الحقيقي والمطلوب منهم شرعيا ووطنياً وأخلاقياً وأدبياً للعمل الجاد بكافة الطرق والوسائل المتاحة لإطلاق سراح الأسرى من السجون  ، وان تكون هذه القضية من أولويات العمل الفلسطيني ،  فلا يعقل أن يقضي الأسير زهرة شبابه في السجون دون الالتفات أو الاهتمام بإطلاق سراحه ، فهناك العشرات ممن أمضوا أكثر من عشرين عاما في الأسر .

أما وصيتي لكوادر الحركة خارج السجون :  فعليهم أن يكونوا على قدر المسئولية اتجاه إخوانهم الأسرى وأوصيهم بحمل هم الأسرى والعمل من أجل الإفراج عنهم ، وعليهم أن يقوموا بواجبهم الشرعي والأخلاقي اتجاههم  واتجاه ذويهم ( فمن خلف غازياً في أهله فكأنه غزى) نحن أمانة في أعناق قادة وكوادر الحركة المجاهدة ومن حقنا عليهم أن يبذلوا كل جهد مستطاع في سبيل الإفراج عنا وإلا فسيكونون آثمون أمام رب العالمين وأمام الناس أجمعين، وأنا أحمل حركة الجهاد الإسلامي بالدرجة الأولى بوصفها الحركة الرائدة والمبدعة في العمل الجهادي أنا احملها مسئولية وجودنا هذه الفترة الطويلة في السجن.

أما نصيحتي لكوادر الحركة في السجون فإنني أقول لهم : عليكم الالتزام بالقيام بواجبكم الديني والشرعي والأخلاقي تجاه إخوانكم الجدد من الأسرى وأنت تأخذوا بأيديهم إلى بر الأمان وإن كان ذلك على حساب صحتكم وأعصابكم إنه الواجب الديني في بناء الأخوة وفي رفع مستواهم الفكري والثقافي والديني والسياسي والله لا يضيع أجر العاملين.

ونصيحتي لكوادر الحركة الجدد في السجون -  مع العلم فأنا لا أقلل من قيمة الأخوة الجدد سواء كانوا كوادر أو عناصر - لكني أقول إنهم بحاجة ماسة لامتلاك التجربة والخبرة والتعرف على الحياة الاعتقالية وقوانينها ومؤسساتها قبل الخوض في غمار العمل التنظيمي في السجن ، لان عالم السجن وتجربته يختلفان تماماً عما عرفوه وألفوه في الخارج.

 

س: ما هي طموحاتك في الحياة ؟

أسير أمضى في الأسر زهرة شبابه (حتى الآن 25 عام ) فمن الطبيعي أن تكون بديهيات أحلامه بالتحرر ، والانتقال من عتمة السجن إلى فضاء الحرية ، كما والعودة إلى بيتي وإلى حضن بلدي وشعبي وأهلي،  كان طموحي أن تضمني أمي إلى صدرها - رحمها الله وعوضها خيراً على صبرها - وطموحي أن أرى أرض فلسطين قد تحررت من دنس الاحتلال ورفرفت رايات الإسلام فوق مآذن المسجد الأقصى وأن أرى النظام السياسي الإسلامي يحكم.

 

 

 

س: مرَّت عليك عدة افراجات خلال عمليات التبادل أو خلال العملية السياسية ، فكيف كان شعورك بعد كل إفراج لم يشملك ؟ ولماذا لم تشملك  هذه الافراجات ؟

        يختلف شعور الأسير من إفراج لآخر حسب توقعاته ،  فمثلاً عندما تمت صفقة التبادل عام 85 وشطب اسمي من القائمة مثَّل ذلك صدمة كبيرة لي وحزنت جداً وشعرت بمرارة كبيرة وما خفف عن نفسي هذا الحزن هو أنني علمت أن أخوة آخرين تم التحفظ عليهم ، كذلك إعادة بعض الأسرى في تبادل عام 83 من مطار اللد بعدما كانوا ضمن الأسرى المنوي الافراج عنهم بلور عندي موقف داخلي أن لا أثق بعملية الإفراج إلا عندما أكون في بيتي وبين أهلي وهذا ما سهل عليّ استقبال أي افراجات لاحقة معتبراً أن الأمر عادياً ولم يخلق عندي ردة فعل خاصة، تلك الإفرجات التي حدثت ضمن ما يسمى بحسن النوايا الإسرائيلية !! هذا الإفراجات لم أعوِّل عليها لأن التصنيفات التي بنيت عليها كانت جائرة ولمن تكن عادلة واستثنت من سموهم (باطل) بأصحاب الأيادي الملطخة بالدماء من كل التنظيمات – ومن المعارضة من أبناء الجهاد الإسلامي وحماس ،ولحتى اللحظة ما زال هؤلاء الأخوة يقبعون فى السجون ومنهم من له فى الاعتقال 28 سنة على التوالى ، وهنالك من هم قبل أوسلو 1993م من الأسرى القدامى ويزيدوا عن 300 أسير ،  وأنا لا اعتقد ولا أثق بافراجات حسن النوايا التي تتم وفقاً لمزاج دولة الاحتلال ومخابراتها، حتى أن هناك إخوة من أبناء الجهاد الإسلامي وحماس ممن تنطبق عليهم معايير حسن النوايا ولم يُفرج عنهم ،  وهذه تعتبر بمثابة ضريبة الانتماء للحركة الإسلامية وهذا يضع مسئولية أخرى على الحركة الإسلامية في العمل من أجل إطلاق سراح أبناءها ولا أريد أن يُفهم كلامي على أنه تفرقة بين الأسرى ولكن يجب ألا تُترك قضية الأسرى وفقاً لمزاجية الاحتلال.

أما صفقة (حزب الله ) العام 2004 فقد كانت مخيبة للآمال ولقد كنا نعوِّل عليها كثيراً خاصة ونحن نسمع خطابات ( السيد حسن نصر الله ) التي فتحت أمامنا آمالاً عريضة خصوصا أنه لم يكن يتبقى في الأسر سوى 1500 أسير ممن رفضت إسرائيل إطلاق سراحهم فى الافراجات وقد كانت تصريحات السيد حسن نصر الله في الإعلام أنه سيُدخل الفرحة إلى كل بيت فلسطيني وأن من أولوياته أن يشمل التبادل أصحاب الأحكام العالية ومن أمضوا فترات طويلة والأخوات الأسيرات والأطفال والمرضى وكبار السن هذه التصريحات زرعت الآمال في قلوب الأسرى ، وتمت الصفقة .. ولكنها كانت صفعة خيبت الآمال حيث تم إطلاق سراح 400 أسير فلسطيني حسب التصنيف الإسرائيلي وبعضهم لم يتبقى له سوى أشهر قليلة في السجن وهذا يدفعني إلى أن أتوجه إلى كل المعنيين بقضية الأسرى عليهم ألا يتلاعبوا في شعور وأحاسيس الأسرى وأهليهم  واستغلال معاناتهم وعذاباتهم ، لا يجب أن يكون الأسرى ضحية السياسة والضغط ،  فمن يريد أن يتلاعب بأحاسيس ومشاعر اليهود ويحاربهم نفسياً عليه أن يعلم أنه يتلاعب أيضا ً بأحاسيس ومشاعر الآلاف من الأسرى الفلسطينيين .

  ورغم ذلك لم تكن هذه الصفقة صدمة كبيرة بالنسبة لي كما كان في صفقة عام 85، فقد كنت على علم ببعض تفاصيل صفقة حزب الله ووصلنا من جهات مقربة ما مفاده : " لا تبنوا آملاً كثيرة..." إضافة إلى قراءتي لتصريحات وزراء الاحتلال وما كان يدور في جلساتهم وما أعلنوه عن المنوي الإفراج عنهم، لم أكن أضع آملاً كبيرة على الصفقة، فكانت تمثل بالنسبة لي مثل سابقاتها من إفراجات العملية السياسة .

 

س: مَن تُحمل مسئولية وجودكم في السجن لما يقرب من ثلاثين عام من الاعتقال ؟

        إن كل فصائل الثورة الفلسطينية سواءً الوطنية منها أو الإسلامية ، تتحمل مسئولية مكوثي ومكوث غيري من زملاء ورفاق وأخوة الأسر لهذه الفترة الطويلة من العمر، وأنا على قناعة بأن الحركات والفصائل الفلسطينية حتى الآن لم تقم بواجبها الحقيقي اتجاه الأسرى، أنا أرى أن الإنسان بشكل عام هو القيمة الاعتبارية، ولو أننا نعلم القيمة الحقيقية للإنسان لما لبث أحد كل هذه السنوات في السجن.

 المسئول عن مكوثنا لهذه الفترة الطويلة في السجن هو مجموع فصائل العمل الوطني والإسلامي ، وبالنسبة لي فإن الحركة التي أنتمي إليها وأُعتبر أحد كوادرها في السجن هي المسئولة عني وهي التي تتحمل مسئولية العمل على إطلاق سراحي وسراح كافة الأخوة الذين معي، أقول لكل المعنيين في الفصائل بشكل عام وفي حركتنا المجاهدة أنتم مسئولون أمام الله عز وجل عنا وعن بقاءنا هنا، وأذكرهم بالواجب الشرعي اتجاهنا، وأذكرهم بأنهم آثمون إذا لم يعملوا بجد واجتهاد من أجل حريتنا وكرامتنا.

 

س:  هل عندكم أمل في الإفراج؟

        نحن على ثقة كبيرة في الله سبحانه وتعالى، أملنا بالله كبير ثم بإخواننا، الله عز وجل الذي شاءت إرادته وحكمته أن ندخل هذا السجن، والله عز وجل إن شاء أخرجنا من ظلماته، فهو العالم بالخير لنا " والخيرة فيما اختاره الله" وأنا على ثقة بأنه لو اجتمعت الإنس والجن على إخراجنا من هنا، فذلك لن يتم إلا بعون الله وإرادته، ولو اجتمع أهل الأرض على أن يطيلوا مكوثي هنا فلن يقدروا  إن شاء الله الفرج لي .

 

س : كيف تتوقع أن يتم الإفراج عنك ؟؟

طوال سجني وأنا أدعو الله عز وجل أن يفرج عني ضمن صفقة تبادل، ولكن الأوضاع اليوم باتت أكثر صعوبة وتعقيداً من ذي قبل، ربما يتم الإفراج عني في اتفاق سياسي وإن كنت أستبعد ذلك كثيراً لأني أعرف طبيعة العملية السياسة ومن يشاركون فيها، ولكن أخشى أن أخرج من السجن حسب القانون الاحتلالي وكأني دخلت السجن بحسب هذا القانون، أي كأنني ارتكبت جريمة وعوقبت عليها ثم أفرج عني بحسب قانونهم، هذا إن كان عندهم قانون؟!!  

 

س: وبأي وسيلة تطمحون ؟

        لن نعدم الوسيلة، أنا أطمح أن أخرج من هنا بكرامة وشموخ وهامة مرفوعة، وذلك لن يكون إلا في صفقة تبادل مشرفة، وهذه الوسيلة لن تصعب على المخلصين رغم تعقيدات المرحلة.

 

س: مرت الحركة الأسيرة بمراحل مختلفة من انتفاضة ثم اتفاقية سلام ثم انتفاضة، كيف كانت تؤثر هذه الظروف على واقع الحركة الأسيرة ؟

        أولاً: الحركة الأسيرة جزء مهم وطليعي من الشعب الفلسطيني، تتأثر سلباً وإيجاباً بواقع الشعب الفلسطيني وما يدور بداخله، وتؤثر كذلك في هذا الشعب، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من عدوان وقمع وإجرام ينعكس على واقع الأسرى.

فالانتفاضة الأولى كانت مصدر عز وفخر لنا ولكل العالم العربي والإسلامي ... انتفاضة الحجر والمقلاع التي هزمت الآلة العسكرية الإسرائيلية، ولم تستطع هذه الآلة المدججة بأعتى الأسلحة أن توقف هذه الانتفاضة، لقد أعطتنا هذه الانتفاضة دفعة قوية جداً، لقد مررنا بفترة من المعنويات الرائعة وشكلت تلك الانتفاضة رافعة لصمودنا وصبرنا، وقد كان هناك خوف كبير لدى دائرة مصلحة السجون أن تنتقل هذه الانتفاضة إلى داخل السجون، الأمر الذي جعلهم يضطرون إلى الالتزام بتفاهمات مفيدة جداً للأسرى، إضافة إلى ذلك فقد أعلن الأسرى إضراباً مفتوحاً عن الطعام خلال هذه الانتفاضة كان ذلك في 27/6/1992م من اجل تحسين الظروف الحياتية التي يعيشها الأسرى وفعلاً استطعنا في هذا الإضراب تحقيق معظم الإنجازات التي حققناها .

أما واقع السجون بعد اتفاق أوسلو ... فلقد أثر أوسلو علينا سلباً خاصة حينما تجاهل إطلاق سراح الأسرى وترك الأمر رهناً لحسن النوايا، وقد نم ذلك عن تجاهل أو عدم معرفة لدى من وقعوا الاتفاق بطبيعة العدو، وتم إطلاق عدد من الأسرى في اتفاقيات جانبية تبعت أوسلو، ولكن بقي في الأسر أصحاب العمليات النوعية أو من وصفوا ( باطلاً ) بأصحاب الأيدي الملطخة بالدماء، إضافة إلى الأخوة من أسرى الجهاد وحماس الذين لم يقوموا بعمليات قتل، لكنهم لم يخرجوا بسبب التمييز الذي أصر عليه الاحتلال، مما أدى إلى حدوث حالة من الإحباط في صفوف الأسرى وأدى بالتالي إلى حالة من الترهل في الواقع الإعتقالي، غير أن هذه الحالة لم تستمر طويلاً وعادت الحركة الأسيرة لبناء صفوفها من جديد والاستمرار في مواجهة التحديات.

أمام تأثير الانتفاضة الثانية فلقد أيد الأسرى من مختلف الفصائل هذه الانتفاضة لأن إسرائيل لم تلتزم باتفاق أوسلو أولاً ولم تطلق سراح الأسرى وثانياً فبقدر ما أجرم الاحتلال وتعسف في ممارساته العدوانية بحق الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة تزامن هذا العدوان مع عدوان همجي تصعيدي خطير داخل السجون بحق الأسرى ، واتخذت مصلحة السجون سلسلة من الخطوات التصعيدية تمثلت في مصادرة منجزات الأسرى التي حققوها بجوعهم وعطشهم ودمائهم وأطنان من الشحم واللحم، ومحاولة إذلال وإهانة الأسرى مما أدى بالأسرى إلى خوض إضراب عن الطعام بتاريخ 15/8/2004م استمر مدة 19 يوم وانتهى دونما تحقيق أي إنجاز يُذكر، وما زالت إدارة السجون تحارب الأسرى بكل قوة وسط دعم سياسي لا محدود من حكومتها الظالمة محاولة بذلك تركيع الأسرى ، ولكن أنى لهم ذلك .

 

س: بدأت السجون بظروف قاسية -  وبنضالات الأسرى تحسنت هذه الظروف نوعاً ما فما، هي الوسائل التي لجأ إليها الأسرى لتحسين ظروفهم ؟

        إن الشروط الحياتية اللانسانية التي يحياها الأسرى اليوم قياساً بالظروف والشروط التي كانت سائدة في بداية الحركة الأسيرة عام 67 أفضل وأحسن بكثير، وهذا لم يتحقق بالأمر السهل، ولم يقدم لنا على طبق من ذهب وفضة، لقد كان لكل إنجاز من إنجازات الحركة الأسيرة ثمن غال يدفعه الأسرى من دمائهم وجوعهم وعطشهم، لقد تحققت المنجزات بالشهداء والتضحيات والعذابات، بآلاف  الأطنان من الشحم واللحم والمعاناة، والصبر، لقد سقط عشرات الشهداء في معاركنا ضد مصلحة السجون منهم الشهيد عبد القادر أبو الفحم عام 1970م والشهيدان علي الجعفري وراسم حلاوة في العام 1980م.

 

س: هل تستعرض لنا بشكل سريع أبرز تلك المحطات النضالية التاريخية؟

فتحت سجون الاحتلال أبوابها أمام الأسرى في العام 67 وكانت ظروف السجن صعبة للغاية، وقد كان أكبر تجمع للأسرى في سجن عسقلان كانت ظروف هذا السجن صعبة على هذا النحو:

1- الطعام - كان سيء كماً ونوعاً ... فوجبة الفطور مثلاً كانت نصف بيضة .

2- النزهة اليومية للأسير -  نصف ساعة فقط.

3- زيارات الأهل -  فقط نصف ساعة في الشهر.

4- الملابس -  لا يسمح إلا بارتداء ملابس السجن سواء أثناء العدد أو أثناء الخروج للنزهة اليومية .

5- يسمح لكل أسير بأربع بطانيات فقط + جلد من البلاستيك بدل الفرشة ولا يحق للأسير امتلاك  أي وسادة .

6- كان النوم على الأرض والغرف بها اكتظاظ كبير واستمر هذا الحال حتى عام 1980م.

7- يجب على السجين أن يستيقظ مبكراً ويستعد للعدد بلباس السجن طاوياً البطانيات طوية عسكرية لابساً حذاءه ... جالساً على بطانيته مستعداً للعدد.

8- أثناء العدد يجب على الأسرى أن يجلسوا كل خمسة على حده  ، ويمنع الأسير من فرش الجلد أو البطانيات طوال النهار.

9- منع رفع الآذان للصلاة.

10-                     يمنع الأسرى من الصلاة جماعة وكل أسير عليه أن يصلي لوحده على انفراد.

11-                     منع إطلاق اللحية، وعلى الأسير أن يحلق ذقنه ثلاث مرات في الأسبوع، ويحلق شعره مرة كل شهر.

12-        يمنع الأسير من امتلاك ولعة أو الثقاب ومن أراد إشعال سيجارة عليه أن يكون تحت رحمة الشرطي، يطلب من الشرطي ويقول له أريد ولعه يا سيدي .

13-                    ممنوع تبادل الحديث بين الأسرى خلال فترة النزهة اليومية وكل أسير عليه أن يسير منفرداً.

14-                    يمنع امتلاك الأوراق والأقلام.

15-                     للشرطي أن ينادي على أي أسير ويسأله عن اسمه والإجابة تكون فلان يا سيدي ابن فلان يا سيدي.

16-                     ممنوع اقتناء أي جهاز كهربائي بما في ذلك الراديو والتلفزيون والمراوح والبلاطة .... الخ.

كانت هذه شروط السجن وبقيت هكذا حتى عام 1970م حيث أعلن الأسرى الإضراب المفتوح عن الطعام لتحسين شروط حياتهم ورفع المعاناة عنهم، واستشهد في هذا الإضراب الشهيد عبد القادر أبو الفحم ، وإثر هذا الإضراب وقيام ثلاثة أسرى بضرب ضابط شرطة تحسنت الظروف بشكل بسيط. ثم أضرب الأسرى مرة أخرى في العام 1976م لمدة 45 يوم ولكن الأسرى عادوا مرة أخرى للإضراب بعد أن تنكرت الإدارة لوعودها وكان ذلك بعد  20 يوماً من انتهاء الإضراب الأول ودخل شهر رمضان المبارك وهم في الإضراب ومن أهم ما حققوه بفضل الله ثم بإرادتهم :

1- استخدام فرشة إسفنج للنوم.

2- الوعد بتركيب سراير للنوم بشرط أن يتم الوقوف للعدد.

لم تكن الإدارة تعتمد ممثل للأسرى للحوار وإنما كانت تتحاور مع شخصيات قوية من الأسرى . وفي عام  80 و81 بدأت الإدارة بتركيب سراير النوم وفي عام 1980م افتتح سجن نفحة ولأن السجن كان بالغ السوء أعلن الأسرى في هذه السجن الإضراب المفتوح عن الطعام واستشهد الشهيدين علي الجعفري وراسم حلاوة بعد أن قامت إدارة السجن على محاولة لكسر الإضراب بالقوة باستخدام-  الزُندة ( بربيش يُوضع فى الفم لإعطاء المضرب الطعام بالقوة ) لإطعامهم، وفي عام 1984م أعلن الأسرى في سجن عسقلان  الإضراب الجزئي عن الطعام وقد استمر هذا الإضراب 43 يوم كنا نتناول خلاله الخبز فقط .. وقد حقق هذا الإضراب بعض الانجازات منها:

 - السماح بإدخال بعض الملابس من الأهل.

 - والسماح للأسير بامتلاك الراديو.

 - وزيادة الفورة إلى ساعتين ونصف.

وحتى هذه السنوات لا تعترف الإدارة بممثل للأسرى بشكل رسمي ولكن كانت تتعاطى مع ممثل غير رسمي، وفي 21/5/1985م تمت صفقة التبادل مع القيادة العامة ( أحمد جبريل) وأطلق خلالها سراح 1150 أسير من مجموع الأسرى البالغ 3500 أسير في ذلك الحين مقابل 3 جنود كانوا محتجزين لدى القيادة العامة وفي 11/9/1985م تعرض الأسرى في سجن عسقلان لهجوم وحشي من قبل إدارة السجن ... وذلك لإجبار الأسرى للوقوف على العدد فرفض الأسرى ذلك فتعرضوا للقمع والإذلال وفرض الوقوف على العدد بالقوة، وفي عام 87 خاض الأسرى في سجن جنيد إضرابا عن الطعام استمر 20 يوم وأعلن سجن عسقلان تضامنه مع سجن جنيد ولم يتحقق أي شيء خلال هذا الإضراب مما أدى إلى تفكير عدد من الأسرى بالتفكير في إضراب جديد استمر التخطيط له مدة ثلاث سنوات واتفقت كافة السجون على خوض الإضراب بتاريخ 27/9/1992م بمشاركة كافة السجون وهو أول إضراب شاركت فيه الحركة الأسيرة بشكل موحد وقد استمر هذا الإضراب 16 يوم تحققت فيه كل الانجازات الموجودة اليوم وأهمها:

1- إدخال البلاطة الكهربائية.

2- السماح بوجود كمكم كهربائي في الغرفة.

3- السماح بالمراوح.

4- تركيب مراوح كبيرة في الأقسام.

5- جمع الإخوة في سجن واحد.

6- وضع الأسير في اقرب سجن لمنطقته.

7- السماح بإدخال ملابس وطعام عن طريق الأهل.

8- السماح بحيازة لمبات ليلية للدراسة .

9- الاعتراف بممثل الأسرى لدى الإدارة.

10-                    السماح بالدراسة الجامعية ( شرط الجامعة العبرية).

11-                    السماح بالاتصال الهاتفي في المناسبات.

12-                    إغلاق قسم العزل في سجن نيتسان وهو أهم انجاز تحقق .

13-                    فتح الأبواب كل نصف ساعة للفورة.

14-                    السماح بساعة رياضة في الصباح.

15-                    السماح بالزيارات بين الغرف .

16-                     وقف التفتيش العاري

17-                    زيادة زيارة الأهل بربع ساعة وجعل الزيارة كل أسبوعين.

18-                    مضاعفة زيارة الأهل للأخوة بالإضافة إلى بعض الانجازات الأخرى.

وما كان هذا ليكون لولا الإسناد الشعبي والجماهيري الذي صاحب هذا الإضراب حيث اشتعلت الضفة الغربية وقطاع غزة وازدادت وتيرة الانتفاضة تصاعداً وعنفواناً وارتقى حوالي 16 شهيد في الأراضي المحتلة ضمن حملة التضامن مع الأسرى وجرح المئات من أبناء شعبنا الفلسطيني وقد كان هذا الإضراب من انجح الإضرابات في تاريخ الحركة الأسيرة حيث تحسنت الشروط الحياتية بشكل كبير.

وجاء اتفاق أوسلو عام 93 وألقى بظلاله على السجون مما اضطر الأسرى لخوض إضراب سياسي عام 95 كان هدفه المطالبة بإطلاق الأسرى . لكن هذا الإضراب كان مصيره الفشل وعادت الحركة الأسيرة للإضراب في عام 2000 حيث عادت إدارة السجون لأسلوب العزل وكان هذا الإضراب سياسي مضربي لفت انتباه العالم للأسرى رغم العملية السلمية حقق هذا الإضراب بعض المطالب وعلى رأسها إخراج المعزولين من العزل ولكن بمقاييس الإضرابات والانجازات التي تحققت في السابق كان هذا الإضراب مصيره الفشل ومن ثم جاءت انتفاضية الأقصى المباركة وتوافد أعداد كبيرة إلى السجون.

ونحن الآن بصدد تعزيز الروح المعنوية لاستنهاض همم الأسرى لاستئناف معركتنا المتواصلة مع إدارة السجون مع فشل إضراب عام 2004.

 

س: السجن جامعة كما نسمع، فما هي العلاقة ما بين الشعار والواقع؟

إن الهدف الأساسي للعدو من زج آلاف الشباب خلف القضبان، وإصدار الأحكام القاسية بحقهم، الهدف من ذلك هو العمل على قتلهم ببطء وإفراغهم من محتواهم الوطني والإسلامي عبر إبعادهم لسنوات طويلة عن محيطهم، وبالتالي فعندما يُفرج عنهم ـ حسب ما يخطط له الأعداء ـ يصبح هؤلاء الأسرى المحررون عالة على مجتمعهم، وقد أدرك الأسرى هذا الهدف الذي يسعى إليه العدو مبكراً ومنذ بدء فتح السجون والمعتقلات، وكانت هذه أولى معارك الأسرى ضد العدو وسجانيه ـ والمعركة غير معلنة ـ وقد بادر الأسرى بترتيب أنفسهم تنظيمياً ووضعوا البرامج الثقافية والفكرية والتعبوية، وعقدوا الجلسات المكثفة اليومية في مختلف القضايا، بهذا الشكل استطاع الأسرى أن يحولوا السجون إلى قلاع للصمود وجامعات للمعرفة يخرج منها الأسير أكثر ثقافة ومعرفة وأشد صموداً، ويتحولوا إلى قادة وكوادر في كل الميادين والمجالات الحياتية والعملية والمعرفية.

 لذلك فما تفضلت به في سؤالك ليس شعاراً بعيداً عن التطبيق، بل هو فعلاً الواقع العملي الذي يمارس في السجن عبر برامج وآليات، وإن كان تطبيق هذا البرنامج واستيعابه والتعاطي معه يتوقف على الأسير نفسه ومدى رغبته في تحقيق الذات وإثبات قدراته وإكساب نفسه لمختلف المهارات التي يمكن له أن يكتسبها من خلال فترة اعتقاله، فنحن مثلاً في التنظيم نضع البرامج ونقوم بدورنا في التعبئة والتوجيه، ولكن هذا يتطلب أيضاً جهداً شخصياً يقوم به الأسير، وهناك عدد كبير من الأسرى التحقوا بالجامعة العبرية عن طريق الانتساب ونالوا درجة البكالوريوس وهناك أخوة يواصلون دراستهم العليا بالانتساب أيضاً، وأخوة انكبوا على دراسة اللغة وآخرين درسوا العلوم الشرعية وأتموا حفظ القرآن الكريم .

 

س: هل تعتقد أن الأسرى المحررين لديهم المقدرة القيادية التي تؤهلهم لتبوأ مكانة قيادية في المجتمع تنظيمياً ووطنياً؟

        لا شك في ذلك، فالسجن يصقل الشخصية ويؤهل الإنسان لأن يكون ناجحاً ومثمراً ومنتجاً، السجن يؤهلنا لأن نكون عمليين ويعود على النشاط والعمل الدءوب دونما ملل ولا كلل، وخاصة عندما يهتم الأسير ببناء ذاته، بحيث يستفيد من تجربة الأسر وهي بالمناسبة تجربة فريدة ونوعية، ومن يستطيع أن يكون قائداً في السجن وسط الظروف المعقدة والصعبة، يتمكن بلا شك من القدرة على القيادة خارج السجن بعد التحرير، فمثلاً قادة الانتفاضة الاولى كانوا من الأسرى المحررين خلال تبادل عام 85، وقادة الانتفاضة الثانية هم أيضاً من الأسرى المحررين ومعظم قادة الفصائل المخضرمين هم أصحاب تجربة طويلة في الأسر.

 

س : أنتم من قادة الحركة الوطنية الأسيرة، وكذلك أحد أهم قادة حركة الجهاد الإسلامي على مستوى السجون ولديكم تجربة في العمل النضالي ضد ممارسات الإدارة وكذلك في العلاقات الوطنية بين الفصائل، فما هي محطات نجاحات وإخفاقات الحركة الأسيرة؟

        محطات نجاح الحركة الأسير كبيرة وكثيرة ومتعددة جداً، فتطور الأوضاع وتحسين الشروط الحياتية في الأسر، كل ذلك يعد من نتاج عمل الحركة الأسيرة ونجاحاتها، ومن أبرزها ما تحقق خلال إضراب العام 92 وهو الإضراب الذي شاركت فيه كل السجون، فكل صمود وكل ثبات هو نصر للحركة الأسيرة بمجموعها.

 أما على صعيد العلاقات الفصائلية، فقد نجحنا بفضل الله من خلق وتعزيز علاقة وطنية وإسلامية متميزة وتوافق وطني كبير داخل السجن .

أما الإخفاقات فبلا شك هناك إخفاقات للحركة الأسيرة في بعض الإضرابات نتيجة لظروف السجن المعقدة، ولأنه لم يتم الإعداد لها بشكل جيد، وقد كان الإخفاق للحركة الأسيرة في إضراب عام 95 لأنه كان إضراب ذا طابع سياسي وكذلك إضراب عام 2000 وأخفقت الحركة الأسيرة في إضراب عام 2004، وكان هذا الإخفاق بمثابة صدمة لكافة الأسرى.

 

وماذا عن التعاون بين فصائل الحركة الأسيرة؟

هناك تعاون وتنسيق على قدر كبير بين كافة فصائل الحركة الأسيرة، خاصة في اتخاذ الخطوات النضالية والمواقف البطولية ضد الإدارة، فالعلاقة بين الفصائل مميزة ويحكمها احترام متبادل وقائمة على تعاون وتنسيق كبيرين.

 

 

س: في الختام، إذا كان لك من كلمة توجهها إلى من تشاء؟

        أتوجه بكلمة إلى كافة الفصائل الوطنية والإسلامية الحية، يجب أن تكونوا على قدر كبير من المسئولية وأن تحملوا هم الأسرى وتعملوا من اجل إطلاق سراحهم، بشكل جدي، وتستنفذوا كل السبل لهذه الغاية، اعملوا على إعطاء الإنسان حقه ولا تسلبوه قيمته.

 وكلمة خاصة لقادة وكوادر حركة الجهاد الإسلامي: الأسرى أمانة في أعناقكم وستسألون عنها أمام الله.

 وأقول لهم لا تفرطوا في دماء الشهداء وعذابات الأسرى، واصلوا طريقكم ولا تتخلوا عن خياركم ولا تتراجعوا عن هدفكم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

 وإلى لقاء قريب بعون الله في فضاء الحرية الرحب وبين جنبات الأقصى الحبيب -  وليس على الله بعزيز  .

   خاتــــــــــــمة

أود أن أختم هذه المقابلة  الإنسانية الأهم من نوعها برسالةٍ فهمتُها من الأسرى عند الإفراج عنى دون أن يبوحوا بها لي لعزة أنفسهم وكبريائهم ، فحينما أُبلغت بالإفراج عني بعد خمسة عشر عاماً من الاعتقال .

كان الأسرى ينظرون إليَّ بحدقات عيونهم الحادة وبكلمات الفرح المختلطة بالحزن ما بين السعادة للإفراج عن أسير عاش معهم الحلوة والمرة وتجمعهم به كل الذكريات بألوانها وما بين الحزن على الفراق .

في وسط مركب المشاعر الممزوجة بالمتناقضات كانت تتناثر الكلمات وتوجه النصائح والطلبات والتهاني والتبريكات  ، وأكثر ما أثر في نفسي هو وحدة الرسالة التي حملتها من كبيرهم وصغيرهم -  ومن المدني والقروي ، والراعي والمثقف والطالب والدكتور ،  والقديم في الأسر والجديد فيه.
كانوا يقولون لي : " يا من عشت معنا كل اللحظات وتحمل همنا بكل صدق وإخلاص قل للأحرار والشرفاء اننا شهداء أحياء، إننا نمضي زهرات أعمارنا وربيع شبابنا بعيدين عن كل متاع الدنيا وبعيدين عن الأولاد والزوجات والأمهات لأجل الله والوطن وسعادة الناس.
قل لشعبنا وأمتنا ان هنالك ما يقارب من (10300- ثمانية آلاف ) أسير في السجون والمعتقلات ومنهم من القدامى ما يقارب من ثلاثمائة أسير فلسطيني قارب بعضهم على الثلاثين عاماً في الاعتقال ، وأقلهم له ما يزيد عن  ( 11 - إحدى عشر عاماً  ) كل قضيتهم أنهم كانوا أكثر تضحية وأكثر عطاء وأكثر إخلاصاً وتدعي إسرائيل باطلة بأن أياديهم ملطخة بالدماء.
كما وأن هنالك أسماء مقدسة لها فى الاعتقال ما يزيد عن  الربع قرن من الزمان فى السجون ولازالت تأمل بالحرية وتتمنى منا المساندة والمساعدة  ومن كل الشرفاء وقفة عز وطنية بمسئولية وجدية للإفراج عنهم لاستئناف حياتهم .

وأخبر من لا يعرف حتى يعرف أن إدارة مصلحة السجون الموجهة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تمارس علينا كل الظلم ولا تتوانى في الانقضاض علينا وبأي وسيلة وأنها تسومنا سوء العذاب.
بلغهم أن نصف الأسرى محرومين من زيارة ذويهم، ولا تنسى أن تحكي لهم قصة الزجاج الذي يحول بيننا وأهلينا والذي يحجب الرؤية الصافية والصوت واللمس.
أخبر شعبنا بالله عليك أننا نموت جراء الإهمال الطبي.  وقل للعالم إننا نأكل طعامنا على شك من صحته فمن يطهو لنا الطعام أناس جنائيون يهود أغلبهم منحرفون ومجرمون ولا يتوانون من تلويث الطعام عمداً.
أخبر من لا يعرف إننا غير مستقرون فهنالك تفتيشات ليل نهار وأحيانا عارية وبقوة السلاح من فرقة إسرائيلية تسمى "متسادا".. لا تخرج من الغرفة حتى تصب الزيت على السكر وتخلط ممتلكاتنا وتبعثر أدواتنا على ندرتها ولا تتوانى في استخدام القوة قصراً للإهانة ومس الكرامة على غير سبب.
قل للناس يا صاحبنا أننا محرومين من التعليم الجامعي لتحقيق طموحنا ومن إدخال الملابس لسد حاجاتنا الأساسية.
أخبرهم كيف يتم نقلنا إجبارياً بالعشرات بين السجون البعيدة عن أماكن سكنانا لتعذيب أهلنا ومضاعفة معاناتهم ، وتنقلنا إجباريا من قسم لآخر في السجن الواحد وبين الغرف و أخبرهم كيف نُعاقب بالحبس الانفرادي لأسابيع ولربما لسنوات تحت الأرض كعزل الرملة وأماكن عزل أخرى في والسبع وشطة وعسقلان .
اشرح لهم كيف يحرموننا بالأشهر من الزيارات ويعاقبوننا بمصادرة الأموال وبالقمع النفسي والجسدي ليس إلا لممارسة حق من حقوقنا الإنسانية والدينية كخطبة الجمعة أو إرجاع وجبة طعام احتجاجاً على رد عدوان من سجان علينا.

بالله عليك يا صاحبنا أن تشرح لهم كيف نضرب عن الطعام للحفاظ على انجازاتنا لما يزيد عن عشرة وخمسة عشر وعشرين يوماً متتالية وقد تزيد.
قل لهم  كيف نودع أمثالك بعد قضاء خمسة عشر سنة ومشاعر الفراق وبقائنا خلفك يمارس في حقنا كل التعديات والهمجية
أخبرهم أننا بحاجة لحمل أحفادنا ورؤية بناتنا اللواتي لم نعش معهن ساعة واحدة، فكبرن وتزوجن وأنجبن ونحن في المعتقلات، نريد أن نزور قبور آبائنا وأمهاتنا الذين لم يحالفهم الحظ في استقبالنا.
ناشد باسمنا كل مخلص من أبناء شعبنا وأمتنا أن يذكرونا ويتذكرونا ويدعمونا ويساندونا ويطالبوا بنا  ،  وأن تقوم كل جهة بمسؤولياتها تجاهنا- قل لشعبنا الفلسطيني الحر إننا نطالب بحقنا في الحرية كما كان حقهم علينا بالنضال والجهاد لتحقيق الحرية  والسيادة والاستقلال .
وذكرهم بآيات الله ، وصدق الله العظيم الذي قدم السجن على الموت والنفي بقوله تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ".     الأنفال آية 30

" وقدم السجن على العذاب الأليم بقوله تعالى : "قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".  " يوسف آية 25
نتمنى أن توصل رسالتنا لأحبابنا  ، وأهلينا ،  وأبناء شعبنا  ، وتنظيماتنا وقيادة شعبنا وكل الشرفاء -  فكلنا ثقة بالله ثم بك و بهم، ونحن على موعد مع الحرية إن شاء الله وليس على الله بعزيز.

________________________________________

مركزالأسرى للدراسات

The prisoners centre for studies

www.alasra.ps

 

  29-1-2010