إتصل بنــا

وصلات هامــــة

إنتســب وأرسل مقالاتك

مقالات وتعليقات مختلفة

الصراع العربي الإسرائيلي

مـــن نحـــن

الرئيسية

 

 

سنة شديدة الخطورة

 

إنها سنة شديدة الخطورة. هذا الكلام لم يصدر عن سياسي محلي يحاول خطف مقعد نيابي. او عن معارض يحاول تحميل الحكومة مسؤولية تردي الأوضاع. ولا علاقة له بنشاط القراصنة في خليج عدن. ولا بالحوار الفلسطيني - الفلسطيني وتفاصيله التي تكاد تنسيك ان فلسطين محتلة. ولا بالانتخابات اللبنانية «المفصلية» التي تكاد تحجب ان لبنان يعيش باستمرار على شفير الهاوية.

انها سنة شديدة الخطورة. هذا ما يقوله روبرت زوليك رئيس البنك الدولي، مشيرا الى ان الاقتصاد العالمي برمته «سيسجل انكماشا هذه السنة للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية». يترافق هذا الكلام مع تلميحات تفيد ان الازمة المالية العالمية اعمق مما اعتقد كثيرون. وان الخبراء لا يملكون وصفة سحرية ومضمونة للخروج من هذه الهاوية التي تهدد الازدهار والاستقرار معا.

لا ضرورة لسوق الارقام المقلقة. انها حاضرة كل صباح على الشاشات. وفي الصفحات الاولى من الصحف وبينها صحيفتنا. ولا غرابة ان يغرق العالم في بحر من الكآبة. الازمة تعني كل واحد من سكان هذه القرية الكونية. تعني خبزه وفرصة العمل وقدرة الدولة على الاستمرار في النهوض بالأعباء الملقاة على عاتقها.

لا مبالغة في وصف الازمة المالية الحالية بأنها شبيهة بحرب عالمية طاحنة. مؤسسات عملاقة تنهار وتغلق ابوابها وتسرح آلاف العاملين. شركات كان يعتقد انها اكثر تماسكا من الدول تهتز وتتداعى وتتفكك. ثروات تتبخر فجأة ومصانع تستغيث ثم تشهر عجزها وإفلاسها.

ليس بسيطاً ان تشعر الولايات المتحدة بحاجتها الى الصين لمساعدتها في الخروج من الازمة. وليس بسيطاً ايضا ان يضطر المستشار الاقتصادي للبيت الابيض لورانس سامرز الى طمأنة بكين قائلا: «ليس هناك ما يدعو الصينيين الى القلق على الاموال التي استثمروها في الولايات المتحدة عندما اكتتبوا في سندات الخزينة الاميركية».

سنة شديدة الخطورة. يكفي القول مثلا ان 20 مليون صيني فقدوا مصدر رزقهم. وان السلطات الصينية تستعد لمواجهة موجة اضرابات او اضطرابات. اننا نتحدث هنا عن اقتصاد حقق ما يشبه المعجزة في السنوات الماضية. ونتحدث عن بلد عملاق ستكون لتدهور اوضاعه الاقتصادية انعكاسات بالغة السوء عليه وعلى دول اخرى. اضطراب الصين لن يكون خبرا مفرحا للعالم. العملاق الهندي لا يعيش هو الآخر بمنأى عن تبعات الإعصار المالي. واذا اضفنا الى ذلك الارقام الوافدة من طوكيو يتبين ان الصورة قاتمة فعلا. اخطر ما في المشهد الشعور بأن الازمة قد تتفاقم اكثر وأن العلاج المطلوب سيكون موجعا ومكلفا.

انحسار الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الثقة بالنظام المصرفي كلها عوامل يمكن ان تقود الى عواقب وخيمة. يمكن ان تؤدي الى اضرابات واعمال عنف وانهيار حكومات وصعود قوى متطرفة. يمكن الالتفات الى ما هو اخطر. غرق بلدان في فشل اقتصادي كامل يؤدي الى خسارتها أي مناعة تجاه جار قوي. يمكن التفكير هنا بالدول التي ولدت من ركام الاتحاد السوفياتي.

يمكن ان تزداد السنة خطورة لاسباب غير مالية. كأن يضطر باراك اوباما الى مواجهة اوضاع لم يتوقعها. تصاعد غير عادي للعنف في العراق يمنعه من تنفيذ تعهداته بالانسحاب وفق الجدول الذي اعلنه. انهيار في باكستان ينذر بوقوع ترسانتها في أيد غير مضمونة ويفتح باب النزاع مع الهند. انها سنة شديدة الخطورة. وافضل ما يمكن ان تفعله الحكومات العاقلة هو بذل جهود استثنائية لصيانة الاستقرار وتخفيف الأضرار بانتظار انحسار العاصفة.

غسان شربل

الحياة 16-3-2009