|
المعطيات تتراكم كل يوم لتؤكد :
إسرائيل في المأزق
الأكبر منذ تأسيسها
رهان نتنياهو لكسر عزلة إسرائيل الدولية نجاح 8 آذار في
لبنان وأحمدي نجاد في طهران
رهانات أخرى :
الصراعات في العراق
ــ فشل
الديمقراطية في العالم العربي
ــ استمرار
التناقض العربي - الفارسي
ــ استمرار ظاهرة
الإرهاب
ــ استمرار ظاهرة
التطرف العربي - الاسلامي
ــ عدم استقرار
الأنظمة العربية
تقرير خاص كتبه »المحرر الديبلوماسي«:
كل من يتابع الحياة السياسيّة في العالم العربي، بل في مجمل المنطقة
الممتدة من موريتانيا إلى باكستان، يلاحظ أن إسرائيل تحتل حيّزاً
مهمّاً جداً فيها.
فوسائل الإعلام في هذه المنطقة تتكلم كل يوم، بل كل ساعة، عن »الخطر«
الإسرائيلي وعن »المؤامرات« الصهيونيّة وعن »المشاريع« اليهوديّة...
والخطاب السياسي الرسمي والمعارض في هذه المنطقة غالباً ما يتمحور حول
الموقف من إسرائيل... وموضوع إسرائيل يتصدر جدول الأعمال في معظم
اللقاءات التي تجري بين مسؤولين من هذه المنطقة ومسؤولين دوليين.
إذاً، إسرائيل لا تقبع فقط في وسط هذه المنطقة جغرافيّاً، بل هي في وسط
هواجسها.
لكن، هل تستحق إسرائيل كل هذا الاهتمام ؟
هل تتمتع هذه الدولة بالمقوّمات التي تبرّر كونها هاجس منطقتنا؟
هل هي فعلاً هذا المارد المخيف القادر تقريباً على كل شيء والذي يحرّك،
من وراء الكواليس، السياسة الدوليّة؟
طرح السؤال قد يكون مفاجئاً... لكن الجواب عليه قد يكون مفاجئاً أكثر.
ذلك أن تقويم وضع الدولة العبريّة بشكل هادئ وموضوعي يبيّن أن وضعها
الحالي معقد جداً، بل يمكن وصفه من دون مبالغة بأنه المأزق الأصعب في
تاريخها، أي منذ إعلان تأسيسها في العام 1948.
وكل من يراقب التطوّرات الديبلوماسيّة الدوليّة، أو يقرأ ما تنشره
المطبوعات المتخصصة ومؤسسات الأبحاث الدوليّة حول المنطقة، ويتابع ما
يجري في المؤتمرات وفي الطاولات المستديرة حول الشرق الأوسط، يرى بوضوح
أن هذه الإشكالية ـــ أي مأزق إسرائيل ومستقبلها ـــ صارت تتردد في
الفترة الأخيرة بإلحاح.
لماذا؟ لأن ثمّة معطيات عدة تراكمت في المرحلة الأخيرة، ولا سيّما منذ
بضعة أسابيع، تبيّن مدى عمق المأزق الذي تعيشه إسرائيل. ولأنه إذا ما
أضفنا هذه المعطيات الجديدة إلى المعطيات البنيوية المعروفة للكيان
الصهيوني، لرأينا أن الصورة قاتمة، بل إنها قاتمة جداً.
نستعرض في ما يلي مجمل المعطيات الجديدة التي أشرنا إليها، وكذلك
سنذكّر بالمعطيات المعروفة، ما يسمح بتبيّن معالم مأزق إسرائيل الحالي.
ومن ثم، سنشير إلى معالم المنهجيّة التي تعتمدها إسرائيل في التعاطي مع
مأزقها هذا، وهي منهجيّة خطيرة فعلاً على المنطقة، وعلى إسرائيل نفسها.
1- إسرائيل لديها
الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخها.
قامت
إسرائيل تاريخياً على تمازج بين الفكرة الصهيونيّة وبعض ملامح الفكر
الاشتراكي. حكمها »حزب العمل«، العضو في »الأمميّة الاشتراكيّة«، على
مدى عقود. لكن منذ منتصف السبعينات بدأ المجتمع الإسرائيلي يجنح
يميناً، ووصلت ذروة هذا التحوّل إلى تشكيل الحكومة الحالية برئاسة
بنيامين نتنياهو وهي الحكومة الأكثر تطرّفاً في تاريخ إسرائيل. هذه
الحكومة، بأفكارها وبممارساتها، بدأت تُغرق إسرائيل في عزلة
ديبلوماسيّة حقيقيّة.
2- إسرائيل خرجت
من مسار الحل السلمي مع رفضها فكرة الدولتين.
منذ تأسيسها وإسرائيل تدعي أنها تريد العيش بسلام مع محيطها العربي.
ولقد تم التوصل، بعد عشرات السنين من الجهود الديبلوماسيّة المضنية،
إلى تصوّر عام حصل على إجماع العالم بأسره، ومفاده قيام دولتين جنباً
إلى جنب: إسرائيل وفلسطين. أي أن الأمور عادت في نهاية المطاف إلى نقطة
البداية، أي إلى التصوّر الذي أقرّته الأمم المتحدة في العام 1947
والذي قامت إسرائيل على أساسه، ألا وهو قرار تقسيم فلسطين (علماً أن
هذا القرار وضع حدوداً لكل من الدولتين مختلفة تماماً عن حدود 4
حزيران/ يونيو 1967 المعتبرة حالياً أنها أساس الحل العتيد، وطرح وضعاً
خاصاً مستقلاً عن الدولتين لمدينة القدس التي من المطروح حالياً
تقاسمها بين الدولتين). تاريخياً، رفض العرب قرار التقسيم وفكرة
الدولتين. وقد ظلوا على مدى أكثر من ربع قرن (1947-1974) لا يعترفون لا
بحق المستوطنين اليهود في العيش على أرض فلسطين، ولا بحق إسرائيل في
الوجود. ثم بدأوا أوّلاً بقبول وجود اليهود على أرض فلسطين لكن في إطار
دولة واحدة يعيش فيها اليهود والعرب معاً (خطاب ياسر عرفات في الأمم
المتحدة في العام 1974)، ومن ثم قبلوا رسمياً بفكرة الدولتين (مبادرة
الأمير فهد التي أقرتها قمة فاس العربية في العام 1981). وسارت الأمور
ببطء نحو تكريس فكرة الدولتين، من زيارة أنور السادات إلى القدس (1977)
حتى اتفاقية واشنطن (1993) وقيام السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة... وكل
ما تبع ذلك من مباحثات ومفاوضات أدت إلى »خارطة الطريق« (2003) التي
كرّست دولياً وبشكل نهائي وبموافقة إسرائيل قيام دولة فلسطينية مستقلة.
كذلك، جاءت مبادرة السلام العربيّة (مبادرة الملك عبد الله التي أقرتها
قمّة بيروت العربية في 2002) لتساهم، عبر فتحها إمكانية إيجاد حل آخر
لقضية اللاجئين غير عودتهم الإجباريّة إلى الأرض التي طردوا منها، في
هذا التوجه.
باختصار؛ قدّم العرب تنازلات كبيرة وصعبة، فهم تخلوا عن نصف فلسطين
ونصف القدس وقبلوا ببقاء المستوطنين اليهود، وحتى بالتفاوض حول حق عودة
لاجئي 1948...
لكن، ها هي الحكومة الإسرائيلية الجديدة تقلب الطاولة وتتراجع عن فكرة
الحل القائم على قيام دولتين. وبذلك، خرجت إسرائيل عملياً من مسار الحل
السلمي لأن كل هذا المسار قائم على فكرة التخلي عن الأرض (التي احتلت
عام 1967) مقابل السلام، وعلى فكرة حق كل من الشعبين الإسرائيلي
والفلسطيني في تقرير مصيرهما بشكل مستقل.
٣- القضية
الفلسطينيّة مجرّد... مشكلة اقتصادية.
ظل ساسة إسرائيل على مدى عقود يرفضون الاعتراف حتى بوجود شعب فلسطيني.
فهم كانوا يعرفون تماماً أن هذا الاعتراف يعني حكماً الاعتراف بحقوق
هذا الشعب. وهم، حتى بعد اعترافهم بوجود شعب فلسطيني له هويته وطموحاته
الوطنيّة، فرضوا على العالم قراءة أمنيّة للقضيّة الفلسطينية، إذ هم
كانوا يطالبون دوماً الفلسطينيين بالتخلي عن ما يسمونه »الإرهاب« قبل
التحاور معهم. وظلت هذه المعزوفة سائدة حتى بعد اتفاقية واشنطن (1993)،
وهذه النظرة استخدمت كمبرر لوضع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في
العزلة بمقره (رام الله) في آخر مرحلة من حياته. لكن القراءة الأمنية
لم تعد تنفع. فالسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة لا تدافع
بتاتاً عن الحل العسكري. أما المجموعات الفلسطينية المهيمنة في غزة فهي
اضطرت، بعد حرب غزة ولا سيما منذ وصول الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى
الحكم، إلى تناسي معزوفة المقاومة وصواريخها العبثيّة. إذاً، ما العمل؟
القراءة الإسرائيليّة »الجديدة« التي يدافع عنها بنيامين نتنياهو
تتناسى الحقوق السياسيّة، وتقول إن مفتاح الحل هو... التنمية
الاقتصادية. وهذا بالطبع توجه لا يؤدي إلى شيء، بل يعبّر عن مأزق سياسي
تام.
٤- إسرائيل لا
تقدم أي تصوّر جدي ومتكامل لحل الصراع.
المعضلة ليست فقط في خروج إسرائيل عن مسار الحل السلمي برفضها فكرة
الحل القائم على الدولتين، أو بمطالبتها بشروط تعجيزية جديدة مثل
اعتراف الفلسطينيين بأن إسرائيل دولة »يهودية« (مع كل ما يتبع ذلك من
نتائج على حق العودة وعلى وضع الفلسطينيين الذين يعيشون في أراضي
1948)، بل هي في أنها لا تقدم أي تصور جدي ومتكامل للحل. إسرائيل تقوض
أسس الحلول المطروحة. ولا تطرح شيئاً بديلاً. ولقد شدد الرئيس
الفلسطيني محمود عباس منذ أيام على ذلك عندما قال إن ما يطرحه بنيامين
نتنياهو ليس جدياً وهو غامض وغير كافٍ.
٥- خطورة حل
الدولة الواحدة حتى على اليهود.
إسرائيل تتراجع عن حل الدولتين... وبالتالي تعود حكماً فكرة الدولة
الواحدة إلى الواجهة. وليس من الغريب أن تكون قد خصصت لهذه الفكرة
أخيراً دراسات عدة ومؤتمرات متخصصة. لكن الفكرة في كل أبعادها تشكل
خطراً كبيراً على يهود إسرائيل على المدى الطويل. فكل تجارب الفصل
العنصري، والتي وصلت إلى أوجها في تجربة جنوب إفريقيا، ليست مضمونة
النتائج إطلاقاً. أما خلط اليهود والعرب في دولة واحدة على أساس
المساواة بينهم، فهو يعني انتهاء المشروع الصهيوني وتحول اليهود
تدريجاً إلى أقليّة.
٦- تراجع وزن
إسرائيل المعنوي دولياً.
إسرائيل اليوم ليست كما كانت في السابق. لقد تدهورت صورتها بشكل كبير.
فمع انتشار وسائل الإعلام والنقل المباشر وشبكة الإنترنت، ومع توجه
الديبلوماسيّة الدوليّة نحو توحيد المعايير ونحو سيادة القانون الدولي
(طبعاً، المسار بطيء ومتعسر لكنه يتقدم باضطراد)، ظهرت حقيقة الظلم
الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وانكشفت الممارسات الوحشيّة التي تقوم بها
إسرائيل، وصار من الصعب يوماً بعد يوم أن يقبل العالم باستثناء
إسرائيل، سيادة القانون الدولي. ويكفي أن نسترجع التقارير التي صدرت عن
الأمم المتحدة في الأيام القليلة الماضية لكي نرى مدى تردي الوضع
المعنوي لإسرائيل.
٧- نمو تأثير
العرب والإسلام بشكل غير مسبوق.
لقد بدأ نفوذ العرب يتزايد على الساحة الدولية منذ الأزمة النفطيّة
الأولى (1973)... ووصل إلى ذروته أخيراً مع دخول السعودية (خريف 2008)
إلى المجموعة الجديدة التي تقود العالم، أي إلى »مجموعة العشرين«.
كذلك، في موازاة ذلك، ظهرت قوة الإسلام عالمياً وتأثيره على مسار
التاريخ منذ الثورة الإيرانية (1979) مروراً بحرب أفغانستان
(1979-1989) التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي (1991)، وصولاً إلى
عمليات 11 أيلول/ سبتمبر 2001...
وليس صدفة أن يكون في عداد »مجموعة العشرين« 3 دول مسلمة (السعودية،
تركيا، ماليزيا). إن نمو دور الدول العربيّة والإسلاميّة على الساحة
العالميّة يؤدي حكماً إلى حصر إسرائيل وتقليص هامش تحركها.
٨- الأزمة
الإقتصادية تضعف إسرائيل.
ما لا شك فيه أن الأزمة التاريخيّة التي تعصف بالاقتصاد العالمي منذ
أيلول/ سبتمبر 2008 تؤثر بشكل مزدوج على إسرائيل. فمن ناحية، يعيش
الاقتصاد الإسرائيلي على مساعدات خارجيّة، إن من الولايات المتحدة وإن
من المؤسسات والشركات اليهوديّة عبر العالم... وتفاقم الأزمة يضعف قدرة
كل هذه المصادر على مساعدة إسرائيل. ومن ناحية أخرى، تؤدي الأزمة
الاقتصاديّة إلى تزايد أهمية الاقتصادات التي تتمتع بسيولة مالية
كبيرة، أي الاقتصادات النفطية، وهي في عدد كبير منها عربيّة وإسلاميّة.
٩- إسرائيل على
خلاف مع واشنطن حول موضوع السلام.
اللقاء
الذي جرى، يوم الثلاثاء 5 الشهر الجاري في البيت الأبيض، بين الرئيس
الأميركي باراك أوباما والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لم يغيّر شيئاً
في الخلاف الحالي بين الحكومة الإسرائيليّة الجديدة والإدارة الأميركية
الجديدة حول السلام في المنطقة. الإدارة الأميركية مقتنعة بأنه من
الضروري إعطاء الأولويّة لحل القضيّة الفلسطينيّة بعدما أدركت أن هذه
القضيّة هي بؤرة التوتر الرمزي والسياسي الأساسيّة في المنطقة. مقابل
ذلك، تريد الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة التهرّب من الحل والمماطلة.
والإدارة الأميركيّة مقتنعة بأن الحل يجب أن يقوم على فكرة الدولتين.
بينما الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة لا ترفض ذلك. هذا الخلاف بين
واشنطن وتل أبيب هو لا شك الأعمق في تاريخ العلاقة بين الدولتين. مع كل
ما يعني ذلك من نتائج، كون الولايات المتحدة هي الحليف الأساسي
لإسرائيل وهي بالنسبة لها صمّام الأمان الديبلوماسي والسياسي والقانوني
والعسكري والاقتصادي والمالي والتكنولوجي.
10- إسرائيل في
عزلة ديبلوماسية دوليّة.
بوادر التباعد بين واشنطن وتل أبيب تأتي على خلفية عزلة دولية عميقة
تعيشها إسرائيل، لا سيّما منذ الحرب الوحشية على غزة (كانون الأول/
ديسمبر 2008 - كانون الثاني/ يناير 2009) ومنذ وصول الحكومة
الإسرائيليّة الجديدة إلى الحكم. علاقات إسرائيل غير جيّدة لا مع
»الاتحاد الأوروبي« ولا مع روسيا ولا مع الصين، ولا مع أي من المجموعات
الإفريقيّة أو الآسيويّة أو الأميركيّة - اللاتينيّة. إسرائيل اليوم لا
حليف فعلياً ونهائياً لها.
11- خلاف مع
واشنطن (ومع العالم) حول إيران.
خلاف إسرائيل مع الولايات المتحدة ومع العالم لا يقتصر على القضيّة
الفلسطينيّة، بل يتمحور كذلك حول موضوع آخر هو الخطر الإيراني. فهي
تدعو إلى توجيه ضربة عسكريّة إلى إيران، بينما تبدو الديبلوماسيّة
الدوليّة ميّالة، منذ انتهاء عهد الرئيس جورج بوش إلى التخلي عن الحل
العسكري. والمشكلة هي أن إسرائيل تعتبر أن هذا الملف هو الموضوع
المركزي بالنسبة لأمنها ولمستقبلها. أي أنها على خلاف مع العالم حول
الموضوع الجوهري بالنسبة لها.
12- انقسام
العرب.
من المؤكد أن انقسام العرب أمر يصب ستراتيجيّاً في صالح إسرائيل... لكن
في الحقيقة، يعني انقسام العرب بين محور معتدل (حول مصر والسعودية)
ومحور ممانع (حول إيران)، عملياً بالنسبة لإسرائيل إن أي حل ـــ إن وجد
ـــ لن يحصل حالياً على إجماع العرب، وبالتالي لا يمكن الافتراض أنه
سيكون نهائياً.
13- انقسام
الفلسطينيين.
الأمر نفسه ينطبق على الفلسطينيين. لقد دأبت إسرائيل على إضعاف السلطة
الوطنيّة الفلسطينيّة منذ قيامها، وعلى إجهاض جميع النتائج الإيجابيّة
التي كان يمكن أن يتمخض عنها مسار الحل السلمي الذي خاضته القيادة
الفلسطينيّة. وكانت إسرائيل من حيث تدري أو لا تدري تزيد من قوة
الاتجاهات الفلسطينيّة المتطرّفة وفي طليعتها »حماس«. وها هي الآن تجد
نفسها في الفخ الذي نصبته للفلسطينيين، إذ هم منقسمون، من دون قيادة
قادرة على الالتزام فعلاً باسمهم. أي أن لا محاور فلسطينياً قادراً على
توقيع السلام فعلاً. وهذا ما أشار إليه مراراً وبحسرة العديد من
المحللين الإسرائيليين.
14- عدو بعيد صعب
المنال.
تركز إسرائيل على أن إيران هي الخطر الأساسي الذي يواجهها. غير أن هذا
»الخيار« الإسرائيلي يحمل في طيّاته استحالة حقيقيّة. فهي المرة الأولى
التي تضع إسرائيل في أعلى سلم المخاطر التي تهددها عدواً بعيداً صعب
المنال. كانت في السابق تتهم الفلسطينيين... أو العراق... أو منظمة
فلسطينية في لبنان أو غزة... وتضرب أو تقصف أو تغتال هنا أو هناك. لكن
ما العمل الآن؟ إسرائيل غير قادرة لوحدها على تقويض القوة الإيرانيّة.
وهي تعرف أيضاً أن لدى إيران أدوات جاهزة للتحريك على حدود إسرائيل
(»حزب الله«، »حماس«..). أضف، أنه حتى لو كان بإمكان إسرائيل توجيه
ضربة موجعة لإيران، فإنها لا تستطيع تقرير ذلك لوحدها لأن هذا الملف له
أبعاد ومخاطر إقليميّة ودوليّة، اقتصاديّة وأمنيّة خطيرة. الأمر ليس
ببساطة قصف المفاعل النووي العراقي (1981). إذاً، إسرائيل هنا في ورطة
صعبة.
15- أعداء قريبون
يستحيل القضاء عليهم.
إضافة إلى إيران، العدو البعيد الصعب المنال، تعتبر إسرائيل أن ثمّة
خطراً حقيقياً يتربص بها من أعداء قريبين... بيّنت التجربة أنه يستحيل
القضاء عليهم بالأسلوب الإسرائيلي العادي أي بالقوة الضاربة... ألا وهم
المنظمات الإسلامية المسلحة، أي »حزب الله« الشيعي في لبنان، و»حماس«
و»الجهاد الإسلامي« السنيّين في غزة. لقد خاضت إسرائيل حربين في 2006
وفي 2008-2009 في جنوب لبنان وفي غزة... ولم تفلح في القضاء على هذه
التنظيمات. طبعاً، يمكن القول إن إسرائيل حققت في هاتين الحربين هدفها
الأساسي ألا وهو الانتهاء من التهديد الذي كان يشكله »حزب الله« على
حدودها الشمالية مباشرة (إذ أبعدته إلى ما وراء الليطاني)، وإيقاف سيل
الصواريخ الآتية من غزة. لكن من الناحية العسكرية الصِّرف تبيّن أن
القوة العسكرية الإسرائيلية ليست قادرة على القضاء على هذه التنظيمات.
16- استحالة
ستراتيجية في ما يتعلق بالأرض وبالسكان.
من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تريد الانسحاب من أي أرض
محتلة. لكن الجميع يعلم، في إسرائيل وعبر العالم، أن احتفاظ إسرائيل
بالقدس وبالضفة الغربيّة وبالجولان أمر مستحيل. حلم الاتجاه المهيمن
حالياً في إسرائيل هو الاحتفاظ بالأرض من دون السكان. لكن صار من
المستحيل في عالم اليوم تكرار ما جرى في 1948، أو في 1967 أي تهجير
السكان واحتلال الأرض. ناهيك عن استحالة تنفيذ ما يُطالب به بعض
الأحزاب المشاركة في الحكومة الإسرائيلية الحالية ألا وهو إبعاد
فلسطينيي 1948 الذين يعيشون داخل إسرائيل.
17- استحالة
إخلاء جميع المستوطنات في الضفة الغربية والقدس.
حتى ولو قررت حكومة إسرائيلية ما وبقدرة قادر العودة إلى حدود 4
حزيران/ يونيو 1967 (وهو احتمال اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق
إيهود أولمرت في نهاية عهده بأن لا مفر منه)، فإنه من الصعب إخلاء جميع
المستوطنات التي يعيش فيها مئات الآلاف من العائلات في الضفة الغربيّة
وفي القدس الشرقيّة. لقد قامت إسرائيل بإخلاء وتدمير مستوطنة واحدة عند
انسحابها من سيناء... ومن ثم قامت بإخلاء وتدمير بضع مستوطنات كانت قد
أقامتها في غزة... ويمكنها أن تفعل الشيء نفسه في الجولان... فعدد
المستوطنات والسكان في هذه المناطق الثلاث محدود جداً. لكن ما العمل في
القدس وفي الضفة الغربية؟ إن كلفة مثل هذه الخطوة تقدر بعشرات
المليارات من الدولارات... ولا يبدو أن هناك حكومة إسرائيلية ستتجرأ
على القيام بها.
18- علاقة
متناقضة مع تركيا.
كانت إسرائيل في مرحلة عزها الستراتيجي (الخمسينات والستينات) على حلف
مع تركيا وإيران. لكن، بعد تحول إيران إلى »عدو« (منذ 1979)... ها هي
تركيا المحكومة من قبل حزب إسلامي تعتمد سياسة منفتحة على الإسلام
والعرب والفلسطينيين، وبالتالي ينعكس ذلك على علاقتها بإسرائيل.
باختصار، إن إسرائيل اليوم هي البيدق الغربي الوحيد المضمون في
المنطقة. أي أنها معزولة على الصعيد الستراتيجي.
19- مشاكل
قانونية متراكمة.
الدعاوى القضائية ضد إسرائيل وقادتها تتوالى عبر العالم، وكانت آخرها
قبل أيام دعوى في النروج وأخرى في إسبانيا. صحيح أن أياً من زعماء
إسرائيل أو من قادتها العسكريين لم يُعتقل بعد أو يُحاكم، لكن هناك
قلقاً عميقاً لدى قادة إسرائيل مما يجري. ناهيك عن أن إسرائيل تناقض
يومياً عشرات القرارات المتخذة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة،
والعديد من القرارات المتخذة في مجلس الأمن، وقرارات أخرى صادرة عن
محكمة العدل الدولية (مثل موضوع الجدار الفاصل).
20- تناقض فاضح
في الملف النووي.
لا تزال إسرائيل ترفض التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
ولقد جددت رفضها هذا يوم الأربعاء 6 الشهر الجاري. المشكلة الآن هي أن
ثمة معطيين جديدين في هذا الملف: المعطى الأول هو أن العالم بأسره
يطالب إيران باحترام بنود هذه المعاهدة (التي وقعت إيران عليها وتؤكد
أنها تحترمها)، بينما إسرائيل تندد بالخطر النووي الإيراني وترفض هذه
المعاهدة علماً أن لديها سلاحاً نووياً. والمعطى الثاني هو أن الإدارة
الأميركيّة الجديدة تطالب علناً بانضمام جميع الدول إلى هذه المعاهدة،
بما فيها الهند وباكستان وكوريا الشماليّة و... إسرائيل.
كل هذه
المعطيات »الجديدة« يجب أن تُضاف إلى معطيات بنيويّة معروفة:
1- اقتصاد قائم على المساعدات الخارجيّة، لا يمكن أن يستمر لوحده.
2- أزمة سكانية ستراتيجيّة، إذ أن عدد الوافدين إلى إسرائيل يتراجع.
3- وضع أمني غير مستقر، لا يحث على الهجرة إلى إسرائيل ولا على السياحة
ولا على الاستثمار.
4- انهيار ثقة الشعب الإسرائيلي بمستقبله، بعد فشل مبادرات السلام.
5- تراجع ثقة الشعب الإسرائيلي بجيشه، لا سيّما بعد حرب جنوب لبنان
وحرب غزة.
6- تناقضات مجتمعية عميقة بين وافدين من ثقافات مختلفة جداً، فالمجتمع
الإسرائيلي عبارة عن »مجتمعات« (اليهود الروس، اليهود العرب، اليهود
الأفارقة، اليهود الغربيون، اليهود الشرقيون، العرب...).
7- تناقضات سياسيّة صارخة في الوسطين السياسي والعسكري الإسرائيلي
تتعلق بأمور جوهرية هي مستقبل الدولة وعلاقتها بمحيطها.
8- دولة ذات مساحة جغرافيّة صغيرة، محاطة بأربع دول عربية لا تريد
الانفتاح عليها، وبالبحر.
9- فساد أخلاقي عميق، يطال كل شرائح المجتمع الإسرائيلي، ولا أدل على
ذلك من أن الفضائح المالية والجنسية طالت كل مستويات الدولة من رئيس
الجمهورية السابق وصولاً إلى عشرات الوزراء والنواب ومروراً برئيس
الوزراء السابق... ووزير الخارجية الحالي.
10- شكوك متزايدة لدى الإسرائيليين بالرواية التاريخيّة حول قيام
دولتهم، مع انتشار أعمال »المؤرخين الجدد« الذين بيّنوا أن إسرائيل
قامت على اغتصاب أرض وطرد شعب.
11- شكوك متزايدة لدى الإسرائيليين في »تفوقهم« المعنوي على محيطهم،
فهم يرون أكثر فأكثر ممارسات دولتهم في القتل والتعذيب بحق الفلسطينيين
والتمييز العنصري بحق العرب...
12- شكوك في جدوى السلاح النووي الإسرائيلي، طالما أنه ليس هناك من عدو
محدد يوجه إليه. كيف يمكن القضاء بالسلاح النووي مثلاً على عرب القدس
أو عرب الجليل أو الخليل؟ كيف يمكن بالسلاح النووي حل قضية الجولان؟ ثم
إن استخدام السلاح النووي على هذه المسافة القريبة يعد بمثابة انتحار
جماعي لشعب إسرائيل... ناهيك عن أن هناك توافقاً نهائياً في العالم على
عدم استخدام هذا السلاح. لقد انهارت إمبراطورية الاتحاد السوفياتي ولم
تستخدم هذا السلاح، فكيف يمكن السماح لإسرائيل باستخدامه؟
13- انتشار متزايد للتقنيّات العسكرية الفعالة، من أسلحة تقليدية أو
غير تقليدية، حول إسرائيل. فمثلاً، في حرب 1973 لم يكن لدى أي دولة
عربية القدرة المدفعيّة أو الصاروخيّة على قصف تل أبيب. اليوم، حتى
»حزب الله« أو »حماس« لديهما تلك القدرة.
14- انتهاء حلم اندماج إسرائيل في محيطها. لقد مضى على توقيع اتفاقية
السلام مع مصر 30 عاماً... لكن لا تفاعل مع شعب مصر ولا انفتاح ولا
تطبيع. وكذلك الأمر مع الأردن. لقد بيّن الواقع للإسرائيليين أن
المجتمعات العربيّة والإسلاميّة لا يمكن أن تقبل بدولتهم. وبالتالي
انهارت فكرة التوصل إلى صيغة سلمية تسمح لإسرائيل بأن تصبح لولب
المنطقة الاقتصادي (كما تراءى لبعض قادة إسرائيل في مرحلة اتفاقية
أوسلو).
15- فشل المشروع الصهيوني. كان الحلم الصهيوني يقضي ببناء دولة إسرائيل
الكبرى (فإذا بها دويلة)... دولة لا يعيش فيها إلا اليهود (فإذا بهم قد
يتحولون إلى أقلية إذا ما استمروا في احتلال أراضي 1967)... دولة يعيش
فيها كل يهود العالم (فكانت النتيجة أن أقل من ربعهم فقط جاء ليعيش
فيها فعلاً). وكان هذا الحلم يقضي ببناء مجتمع آمن فإذا به مجتمع حرب،
وبمجتمع قائم على مثل مساواة وتعاون فإذا به مجتمع مادي، تنافسي
وليبرالي.
❊
❊
❊
كل ما ذكرناه أعلاه يعرفه قادة إسرائيل تماماً... وإن كانوا ينظرون
إليه من وجهة نظر أخرى... فكيف ينوون إذن التعامل معه؟
إن ستراتيجية إسرائيل لمواجهة هذا المأزق قائمة على خيار خطير جداً...
هو الهروب إلى الأمام... على المراهنة على التناقضات... على كسب
الوقت... على خلق أمر واقع على الأرض بزيادة التوطين والفصل العنصري
وتهويد القدس... وباعتماد القوة كوسيلة سياسيّة بدلاً من الحق...
ولكي نكون أدق، نسوق في ما يلي أمثلة على ما تراهن عليه إسرائيل
حالياً:
1- إسرائيل تراهن على نجاح اتجاه »8 آذار« في الانتخابات النيابيّة
المقبلة في لبنان. هذا الأمر لا يرقى إليه الشك، وقد لاحظه العديد من
المسؤولين الأوروبيين مثلاً في حواراتهم مع طاقم الخارجية الإسرائيلية
الجديد. الإسرائيليون يقولون إن الوضع الحالي في لبنان قائم على التباس
لصالح »حزب الله«، وإن الدعم الدولي القوي لحكومة لبنان الحالية يعطي
تغطية قانونية وشرعية لـ»حزب الله«، وإنهم يفضلون أن تكون الأمور
واضحة، كما هي عليه في غزة مثلاً.
2- إسرائيل تراهن على نجاح الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد في
الانتخابات الرئاسية المقبلة في إيران، لأن ذلك برأيها سيفرض على
المجتمع الدولي مواجهة حقيقة المشروع النووي الإيراني، ولأن وصول أي
مرشح معتدل إلى الرئاسة سينفس الاحتقان الدولي ضد إيران وسيعطي إيران
المزيد من الوقت للسير نحو امتلاك القنبلة النووية.
3- إسرائيل تراهن على استمرار الصراعات داخل العراق، لأن ذلك سيمنع
قيام دولة عراقية قوية، وسيؤدي إلى استمرار استنزاف قدرات العراق
ومحيطه في هذه الحروب الداخلية.
4- إسرائيل تراهن على عدم نمو الديموقراطية في العالم العربي، لأن قيام
أنظمة ديموقراطية سيمنعها من تبرير ستراتيجية الخطر المحدق بها.
5- إسرائيل تراهن على استمرار التناقض العربي - الفارسي، وتحاول تأجيج
تناقض عربي - تركي، لأن الانقسامات في المنطقة تمنع تكوين أي محور قوي
في وجهها.
6- إسرائيل تراهن على استمرار الانقسامات بين العرب وبين الفلسطينيين.
7- إسرائيل تراهن على استمرار الصراعات المذهبية والدينية في المنطقة،
بين الشيعة والسنّة، وبين المسيحيين والمسلمين، وبين الدروز والشيعة،
والدروز والمسيحيين، والعلويين والسنة، إلخ.
8- إسرائيل تراهن على استمرار ظاهرة الإرهاب لأنه يعطيها مبرر
الاستمرار في القراءة الأمنية لمستقبلها.
9- إسرائيل تراهن على استمرار نمو التطرف السياسي والمجتمعي الإسلامي
الطابع لأنه يقسم المجتمعات العربية ويعطيها المبرر لكي تتقوقع كدولة
يهوديّة.
10- إسرائيل تراهن على عدم استقرار الأنظمة العربية وتغذي بقدر ما
تستطيع التناقضات بين الحكام والشعوب، والتناقضات داخل العائلات
الحاكمة، والتناقضات بين الأنظمة والمجتمع المدني.
باختصار، كل هذه الخيارات فيها ركوب مخاطر وويلات.. وكل هذه الرهانات
معاكسة تماماً لإرادة الأسرة الدوليّة.
إذاً، إسرائيل في مأزق وخياراتها خطيرة. عليها وعلى محيطها. لكن كل هذا
لا يعني أن إسرائيل قاب قوسين أو أدنى من الانهيار. بل يعني أن الحتمية
التاريخية التي تقول إن الكيان الصهيوني كيان مصطنع يصعب، بل ربما
يستحيل، أن يستمر، بدأت تظهر ملامح انهيارها بشكل أوضح.
المحرر العربي
9-5-2009
|