إتصل بنــا

وصلات هامــــة

إنتســب وأرسل مقالاتك

مقالات وتعليقات مختلفة

الصراع العربي الإسرائيلي

مـــن نحـــن

الرئيسية

 

 

 

أبو ظبي، قاعدة أمامية لفرنسا في مواجهة إيران

 

متابعة أنديرا مطر

 

أفردت الصحف الفرنسية لهذا الأسبوع حيزاً واسعاً لخبر افتتاح الرئيس الفرنسي القاعدة العسكرية الدائمة لفرنسا في دولة الإمارات، إلا أنها وضعته في سياق أشمل مما يبدو ظاهرياً. صحيفة الـ»فيغارو« اعتبرت في افتتاحيتها أنّ إقامة قاعدة فرنسية دائمة لأول مرة منذ خمسين عاماً ومنذ استقلال مستعمراتها الإفريقية وفي منطقة نفوذ انكلو ساكسوني هو منعطف ستراتيجي يقحم فرنسا في مناطق نزاع يتوقف عليها الأمن والسلم الدوليين.


وذهبت صحيفة »لوموند« إلى حد الاعتبار أن فرنسا أصبحت على خط النار الأول في حال تدهور الأوضاع الإقليمية، ناقلة عن مصدر ديبلوماسي قوله »إذا ما قامت إيران بهجوم ما فإن ذلك يعني أيضاً هجوماً على فرنسا«.


أما مندوبة الـ»فيغارو« الخاصة إلى أبو ظبي ايزابيل لاسير فقد كتبت تحقيقاً شاملاً عن الحدث بعنوان »أبو ظبي، قاعدة أمامية لفرنسا في مواجهة إيران«، نقتطف منه أبرز ما جاء فيه:


افتتح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الثلاثاء الماضي، القاعدة العسكرية الدائمة لبلاده في أبو ظبي، في مؤشر قوي على تغيير في موقفها الستراتيجي، علماً أن القاعدة العسكرية سوف تساهم في إعادة إنعاش العلاقات الفرنسية الإماراتية حيث من المتوقع توقيع اتفاقية عسكرية جديدة بين البلدين تحل مكان الاتفاقية القديمة الموقعة في العام 1995
.


في مواجهة إيران، على ضفاف مضيق هرمز، وعلى حدود المحيط الهندي، دشنت القاعدة البحرية الانخراط الفرنسي العسكري الجديد في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد عام ونصف فقط على انطلاقها. تحت حرارة حارقة، 40 درجة في الظل، انكب العمال على إنهاء الأشغال. رائحة الطلاء لا تزال تنبعث من المباني. في المرفأ، الفرقاطة المضادة للطائرات »فوربين«، المهيبة على الرغم من حمولة 7000 طن، المولود الأخير للبحرية الوطنية تتماهى مع زرقة المياه. »آكونيت«، الفرقاطة الشبح المتخصصة في مكافحة القرصنة، ترسو هي الأخرى في المرفأ. وحدها سفينة »دوبي دو لوم«، مقر مديرية المخابرات العسكرية والمعدة رسمياً للرصد والاستماع، حجبت عن أعين الصحافيين. لن تدخل إلى رصيف المرفأ إلا وقت الزيارة الافتتاحية لنيكولا ساركوزي، صباح الثلاثاء.

 

.. بعد خمسين عاماً!

هي المرة الأولى منذ خمسين عاماً، منذ استقلال مستعمراتها الإفريقية تحديداً، التي تفتح فيها فرنسا قاعدة عسكرية دائمة خارج أراضيها القومية. إنها أيضا المرة الأولى التي ينخرط فيها الفرنسيون بطريقة دائمة في منطقة نفوذ انكلو - ساكسوني. وقد بذلوا جهداً كبيراً لاتخاذ موقع لهم في هذه المستعمرة البريطانية القديمة. ستؤوي القاعدة حوالى 500 عسكري يتوزعون على ثلاثة مواقع: قاعدة جوية أعدت لاستقبال طائرات الميراج والرافال التابعة لسلاح الجو الفرنسي في الضفرة. وقاعدة بحرية تمتد على 300 متر من رصيف ميناء زايد، وأخيراً قاعدة برية في معسكر زايد في الصحراء وهي متخصصة للتدريب على القتال في المدن وفي المناطق الصحراوية. يقول قائد القاعدة الكولونيل هيرفيه شيريل إن »لهذه القاعدة مهمة عامة هي دعم قواتنا المنتشرة في المحيط الهندي وإنما أيضا تطوير التعاون العسكري الثنائي«. 500 عسكري من أفراد القوات المسلحة الفرنسية رقم متواضع لكنه رمزي وسط إمكانيات هائلة.

 

هنا يتكون جزء من أمننا ومن أمن العالم كله

القاعدة التي أعلن عنها نيكولا ساركوزي، أثناء زيارته الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة في كانون الثاني/ يناير 2008، وافتتحها بعد سنة ونصف لاحقاً، أديرت من الألف إلى الياء من قبل الإليزيه، وبسرية بالغة غالباً. والسبب: أنها تبلور تغير الموقف الستراتيجي للدولة الفرنسية وتنحو إلى تطبيق المبادئ التي أوردها الكتاب الأبيض الصادر عن الرئاسة الفرنسية العام الماضي حول مسائل الدفاع، والذي يكرس الانعطاف الجيوستراتيجي لفرنسا. ويشير إلى انتقال المصالح الفرنسية سنة بعد أخرى نحو الشرق، كما يحدد المناطق ذات الأولوية لوجود القوات العسكرية الفرنسية والتي هي في الدرجة الأولى »المحور الستراتيجي لحوض المتوسط، الخليج العربي-الفارسي والمحيط الهندي والتي أصبحت منذ نهاية الحرب الباردة مركزاً لكل التوترات وأكثر مناطق العالم تعرضاً للمخاطر الإرهابية«. لكن الأهم الذي يذكره الكتاب الأبيض والذي يكرس العقيدة الفرنسية الجديدة »أن أي تدخل عسكري فرنسي يتم على الصعيد الوطني، وليس في سياق متعدد الجنسيات، سيكون مبرراً لو جاء في سياق تطبيق الاتفاقيات الدفاعية الثنائية التي تربطنا ببعض الدول«.  


بالنسبة إلى نيكولا ساركوزي، فإن قيام قاعدة عسكرية هو »دلالة على أن بلادنا تعرف أن تتكيف مع المخاطر الجديدة والتحديات الجديدة، وأنها مستعدة لتحمّل مسؤولياتها ولعب دورها والمشاركة بشكل كامل في استقرار المنطقة. المهم بالنسبة إليّ الحفاظ على التوازن في العالم«. ويقول لمجلة »ديبلوماسي« الفرنسية: »في هذه المنطقة يتحدد جزء من أمننا ومن أمن العالم«. ذرائع كثيرة تطرح، والهدف جعل فرنسا قوة جديدة في الخليج العربي إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة. القاعدة الفرنسية التي أطلق عليها اسم »معسكر السلام« هي نقطة توقّف على طريق أفغانستان، وتقرّب باريس من باكستان، وهي ليست بعيدة عن العراق وتقع في منطقة يمر عبرها 40٪ من صادرات النفط العالمية والمنطقة التي تعمل فيها شركة توتال الفرنسية.

 

الإسم الآخر: إيران

ما هذا سوى الجزء العائم من جبل الجليد. أما الجزء الآخر والذي يستحوذ على الخطابات الرسمية فله اسم آخر »إيران«، التي لا تبعد سوى 225 كلم عن أبو ظبي. من خلال التموضع الدائم على حدود مضيق هرمز، يتطلع الفرنسيون للحصول على »موقف ردعي« تجاه طهران. مسؤول ديبلوماسي رفيع يقول: »إننا نتمركز عمداً في موقف ردع فإذا هاجمت إيران الإمارات فذلك يعني إننا تعرضنا أيضاً لهجوم«.


نظراَ للواقع الحالي، فإن الحصول على بنية تحتية قادرة على استقبال غواصات بحرية وإيواء حاملة طائرات في مياهها أمر لا يمكن التخلي عنه«.


في باريس كما في تل أبيب وواشنطن، لا أحد ينفي أن إخفاق المفاوضات المفتوحة بين الإدارة الأميركية الجديدة وطهران سينتهي يوماً ما بقصف إيران. في المجال العسكري كما في الديبلوماسي يجب التحضير للخطوة اللاحقة... القاعدة العسكرية الجديدة التي تعتبر »واجهة للتكنولوجيا المتطورة والتميز العسكري الفرنسي« سوف تكون أيضاً موقعاً استخباراتياً مثالياً، لرصد الأنشطة الإيرانية والتنصت عليها. والدليل على ذلك حضور »دوبي دولوم« ذات الآذان القادرة على عبور البحر.

 

اتفاق دفاعي جديد مع الإمارات

تموضع الفرنسيين إلى جانب الأميركيين، حيث يرسو أسطولهم الخامس في البحرين والموجودون كذلك في الكويت وفي المملكة العربية السعودية وجيبوتي، أتى بناء على طلب الإمارات التي قامت بتمويل القاعدة. الدولة الخليجية الصغيرة تخشى أن تصبح جارتها يوماً ما »دولة شيعية نووية« ولذا فهي تبحث عن حماة جدد. »حليفان أفضل من حليف واحد... سيما في مرحلة يعيد فيها الأميركيون تقييم خياراتهم الستراتيجية في العالم. الإمارات كانت حليفة الولايات المتحدة أثناء حرب العراق الأخيرة، لكنهم اليوم قلقون: بعد انتهاء هذه الحرب، يخشون أن يكونوا خارج حسابات واشنطن« كما يقول مصدر مطلع على الملف.


اغتنم نيكولا ساركوزي الفرصة. في تصريح لوكالة الأنباء الإماراتية قال: »يقال دائماً إنه في الأوقات الصعبة نعرف الأصدقاء الحقيقيين. كونوا على ثقة أن فرنسا ستكون إلى جانبكم في حال تعرض أمنكم للخطر. إن افتتاح القاعدة بالقرب من مضيق هرمز الستراتيجي يعكس قبل كل شيء اهتمام فرنسا بهذه المنطقة المحاذية لإيران والتي يمر عبرها 40٪ من صادرات النفط« وأضاف، »إن فرنسا تظهر بذلك أنها مستعدة أن تتحمل كامل مسؤوليتها لضمان الأمن في هذه المنطقة الأساسية بالنسبة للتوازن في العالم«.


صحيح أن فرنسا كانت في وضع يؤهلها لتعبر مع دولة الإمارات هذا المنعطف الستراتيجي المهم. فهي الموجودة في المنطقة منذ 1970 لم تقم سوى بتطوير علاقاتها مع الإمارات منذ اجتياح صدام حسين للكويت في آب/ أغسطس 1990
. بعد حرب الخليج الأولى في 1991، وقّعت كل من باريس وأبو ظبي اتفاق دفاع سرياً يضمن تدخل فرنسا في حال تعرضت للاعتداء. الرئيسان فرنسوا ميتران ومن بعده جاك شيراك دفعا بالتعاون العسكري بعيداً مع الدولة الخليجية الغنية. خلال، وبعد الحرب العراقية الإيرانية، قدمت فرنسا للإمارات معدات دفاعية، وتحديداً سفناً وطائرات مروحية و63 طائرة ميراج 2000 التي تشكل حالياً محور السلاح الجوي الإماراتي. والإمارات هي أيضاً البلد الوحيد الذي باعته فرنسا دبابات لوكلير 388. اليوم، 50٪ من تجهيزاتها العسكرية مصدرها فرنسي، بحسب الإليزيه. »كنا غائبين تماماً عن هذه المنطقة منذ ثلاثين عاماً ولكننا أصبحنا اليوم شريكاً مهماً« وفق تصريح الرئيس الفرنسي لمجلة »ديبلوماسي« الفرنسية. وبما انه من الأفضل اقتران المصالح الستراتيجية والتجارية، فقد أعرب في حمأة التدشين، عن أمله في تحصيل مكاسب اقتصادية. وتأمل فرنسا تحديداً أن تجعل من أبو ظبي أول زبون أجنبي لمقاتلاتها من طراز رافال، بعدما أبدي الإماراتيون العام الماضي نيتهم الجدية في استبدال طائرات الميراج 2000 وطائرات التجسس، وتأمل كذلك توقيع اتفاقية في مجال النووي السلمي.


توقيع اتفاقية دفاع جديدة مع دولة الإمارات سوف يظهر رسمياً إعادة التموضع الستراتيجي لفرنسا في هذه الدولة. وهذا وعد آخر في الكتاب الأبيض: تنقيح الاتفاقيات السرية الموقعة مع الدول الصديقة، والتي يعود بعضها لمرحلة ما بعد الاستعمار وتخطاها الزمن، التفاوض بشأنها مجدداً بهدف تجذر حضورنا في الخارج وإشهارها رسمياً ومصادقة البرلمان عليها.


من الناحية النظرية، افتتاح قاعدة جديدة في أبو ظبي لن يكون له أي تداعيات على القواعد العسكرية الفرنسية الدائمة في أفريقيا وحيث بدأت باريس في اي حال انسحاباً تدريجياً من خلال إعادة الانتشار. وإنما يخشى من أن تتأثر قاعدة جيبوتي، في خليج عدن. بعد أن تحققت المزايا الستراتيجية لهذه القاعدة الضخمة بتزايد أعمال القرصنة ولا مجال البتة لإغلاقها. لكن أفرادها وتجهيزاتها قد يعانيان، لأسباب مالية، عملية تنحيفية قسرية.