![]() |
|||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المناورات الإسرائيلية: استعدادات جدية لحرب مستوفاة الشروط
طوال الفترة التي سبقت بدء المناورة الاسرائيلية الكبرى، شهدت المنطقة حالة من التوتر العسكري والامني الشديدين. في وزارة الدفاع السورية تم وضع احتمالات خطرة، وهي ان تكون المناورة غطاء من الخديعة لتنفيذ هجوم سريع انطلاقاً من البقاع الغربي في لبنان وصولاً الى تخوم دمشق. وفي المجلس الجهادي داخل حزب الله، وهو الحلقة الضيقة المؤلفة على أغلب تقدير من سبعة أشخاص بينهم امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وخليفة عماد مغنية، تم اعلان حالة من الاستنفار لمواكبة فعاليات المناورة والتنبه لمساراتها واهدافها. اما في اسرائيل، فقد تم الاستعداد لبدء المناورة وسط قلق من ان تؤدي فعالياتها في ظل توتر الجبهات التي تجري في مقابلها الى الانجرار الى حرب غير محسوبة نتيجة حسابات خاطئة لدى الاطراف الاخرى التي تستهدفها المناورة في إطار الاستعداد لخوض حرب مستقبلية معها.
ويوم السابع من نيسان/ابريل الشهر الجاري، بدأت المناورة الاسرائيلية الاكبر في تاريخها، وخضع لتطبيقاتها ليس فقط عمال الاطفاء وقيادة وعناصر نجمة داود وطواقم المستشفيات والاجهزة والقطاعات الامنية والعسكرية، بل ايضاً رئيس الوزراء ايهود اولمرت وجميع افراد حكومته : ((الجميع في اسرائيل بحاجة لإعادة تأهيل)). هذا هو العنوان الحقيقي للمناورة، وهذا هو الدرس المستفاد من عبر حرب تموز/يوليو عام 2006 التي تجري المناورة في اطار تصحيح اخطائها.
ومناورة ((نقطة تحول 2))، هي تتويج لمجموعة مناورات بدأت في العام الماضي تحت عنوان إعادة تأهيل كل شيء، وإعادة بناء النظرية العسكرية الاسرائيلية من ألفها الى يائها. في البداية جرت المناورات على مستوى اعادة تأهيل السرايا المقاتلة في الجيش الاسرائيلي. وخلال هذه التدريبات اكتشفت ثغرات جسيمة، وبعضها كان مهيناً حسبما يقول المراسل العسكري لموقع صحيفة ((معاريف)) الالكتروني، الذي يورد مثلاً على ذلك يفيد انه خلال إجراء مناورة بالسلاح الحي لسرية دبابات تابعة لقاعدة تسئيليم، كان وزير الدفاع ايهود باراك يشرف على المناورة ووقف بجانبه كل من قائد سلاح البر بيني غانتس ورئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي . وفجأة التقطت آلة تصوير ((معاريف)) صورة مهينة لاشكنازي وهو يتابع المناورة بمنظار مغلق على نحو يكرر الموقف المضحك لوزير الدفاع السابق عمير بيرتس عندما ظهرت صورته وهو يتابع احد مشاهد الحرب على لبنان بمنظار مغلق. لقد أكدت هذه الحادثة ان إعادة التأهيل ليست حكراً على أمثال بيرتس، بل الجميع يحتاجها. وهنا برزت الحاجة للإجابة عن سؤال : كيف ستتصرف القيادة الامنية والسياسية خلال الحرب المقبلة. فليس مضموناً أن يكون تصرفها مقبولاً، ولا نقول مثالياً؟.
باراك الملك! هناك تحد اساسي لسلسلة المناورات التي تختتم بمناورة نقطة تحول 2، ومفاده ((تحرير الرأي العام الاسرائيلي)) من إحساس نفسي ضاغط يجتاحه بعد حرب تموز 2006، وهو انه يسلم مقاليد زمام مصيره لقيادة تجريبية وغير خبيرة. ويعبر عن هذه القناعة الشائعة في الشارع الاسرائيلي، مصطلح متداول كالخبز داخل اسرائيل، يحذر من ان عصر القيادة التاريخية في اسرائيل، انتهى!. وحده ايهود باراك، يحاول الايحاء بأنه امتداد نادر للقيادة التاريخية، وانه وريث السلالة العسكرية الحديدية التي ينتمي اليها موشي دايان وارييل شارون. وحيث يقبع شارون الان في موته السريري في مستشفى هداسا، يتحدث الممرضون عنه بلقب ((الملك))، وهو الاسم الذي اطلقه عليه جنود وحدته التي قامت بالاختراق في حرب رمضان 1973، ما ادى الى تمكين اسرائيل من حصار الجيش الثالث المصري، وقلب موازين الحرب. وتقول مقالة متخصصة بالحالة النفسية العامة للرأي العام الاسرائيلي أصدرها مركز جامعة تل ابيب : ان ابقاء شارون على قيد الحياة رغم موته السريري، ليس فقط عملاً اخلاقياً، بل بالاساس، حاجة نفسية للاحياء في اسرائيل، لأن إعلان موته سيعني عملياً ان الشعب سيسير لدفن ليس فقط شارون، بل آخر رموز القيادة التاريخية. وعشية المناورة الاكبر يوم 7 نيسان/ابريل، ألغى ايهود باراك، زيارة كانت مقررة لألمانيا، علماً ان تقنية تنفيذ المناورة لا تستلزم بقاءه، اذ انه حسب تراتبية تطبيقاتها، تخضع امرة قيادتها للعميد احتياط زئيف تسوك- رام (رئيس شبكة الطوارئ الوطني)، الذي يتلقى أوامره من نائب وزير الدفاع ميتان فلنائي بوصفه مسؤولاً عن الجبهة الداخلية من قبل المؤسسة الامنية. ومع ذلك فإن باراك فضل البقاء في محاولة للإشارة بأن وجوده يمنح الرأي العام الاسرائيلي ثقة بأهمية المناورة، ويمنحه ثقة بأنها لن تقود الى حرب تنتج عن حسابات خاطئة في التصرف اثناء إجراء تطبيقاتها، خاصة وان المناورة جرت وسط كلام صحافي مكثف عن انها قد تترافق مع رد من قبل حزب الله على اغتيال عماد مغنية.
ولكن هل نجحت مناورات باراك المتزامنة مع سلسلة مناورات ((نقطة تحول 2))، الهادفة لتحصين الجبهة الداخلية، في تسويقه بين الرأي العام الإسرائيلي على انه خلف نجيب للقادة التاريخيين، وبأنه ملك آخر في اسرائيل؟. الوقائع لا تؤشر الى ان هذا الهدف ناله باراك. فقبل أيام صدرت مؤشرات من حزب العمل نفسه الذي يرأسه باراك توحي بعدم قوته. فداخل مركز حزب العمل تشكلت مجموعة تطالب بعزله عن رئاسة الحزب تحت شعار ان الاصلاح يحتاج لدم جديد.
ولكن باراك يواجه هذا التحدي عبر إثارة الغبار الصامت عن مسؤوليته عن اغتيال مغنية، كعلامة على اقتداره على استعادة المبادرة الامنية والعسكرية الاسرائيلية التي فقدت خلال حرب تموز العام 2006. وحتى لو كان باراك حقاً هو آخر ملوك إسرائيل، فهل يمكن لدولة تخوض تحدي وجود ، كما تقول دراسة اسرائيلية، ان تعيش على مستقبل انه بقي لديها شخص واحد يمكن الاعتماد عليه. وهنا تطرح الدراسة فرضية ان تضطر اسرائيل لخوض الحرب المقبلة من دون وجود باراك.. فكيف سيكون الوضع ؟. ومن خلال مجمل الافتراضات والمعطيات التي تطرحها الدراسة بخصوص هذه الفرضية يمكن رسم السيناريو التالي، لحدوث لحظة تجد فيها اسرائيل نفسها امام هذا التحدي: ((حرب من دون باراك)). وتجدر الإشارة الى ان هذا السيناريو يقوم على تجسيد معطيات حرب على الورق، أي ما يسمى في علم المناروات : محاكاة حرب في ظرف سياسي وعسكري معين. والعنوان هنا لهذه المحاكاة هو حرب من دون باراك. تتخيل المحاكاة هذه الحرب على النحو التالي:
محاكاة للرد على اغتيال مغنية ((فجأة يصل الخبر الذي طالما توجس منه المستوى السياسي والامني في إسرائيل: حزب الله نفذ فعلاً تهديده. عشرات القتلى والجرحى في انفجار في القدس استهدف موكب سيارة ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي في خلال توجهه الى مكتب رئيس الحكومة ايهود اولمرت. ما تزال المعلومات اولية عن مصير باراك. لكن المؤشرات الاولى تتحدث عن اصابته بجروح بالغة. كما أصيب أو قتل العشرات ممن تواجدوا قرب سيارته لحظة استهدافها بانفجار وصف بأنه ضخم.
في وزارة الدفاع في تل ابيب: رئيس الوزراء ايهود اولمرت على الخط. يقدم أحد كبار الضباط في وزارة الدفاع سماعة الهاتف الى نائب وزير الدفاع اللواء احتياط ميتان فلنائي المسؤول من جانب المؤسسة الامنية عن شؤون الجبهة الداخلية والذي يخضع لامرته العميد احتياط زئيف تسوك – رام (رئيس شبكة الطوارئ التي انشئت بعد حرب تموز عام 2006 والتي اشرفت لوجستياً على تنفيذ مناورة 7 نيسان الكبرى الخاصة بكيفية تصرف الجبهة الداخلية والمستويين الامني والسياسي والمدني، في حال حدوث حرب شاملة مع حزب الله او مع سوريا او مع ايران او مع جميعهم دفعة واحدة). يقول اولمرت بصوت قلق: ما اخبار باراك؟ يجيب ميتان : الموساد يقول انه في حالة ((كوما)) كاملة.. اولمرت : بعد ساعة اجتماع في مكتبي.. يبدو اننا سنباشر تنفيذ خطة الحرب: ((نقطة تحول 2)).. يقفل اولمرت الخط. وفي وزارة الدفاع يرتسم سؤال اساسي: من يحل مكان باراك في إدراة الحرب، وفي منصب وزير الدفاع؟.
يهرول ميتان الى ركن قصي في مكتبه، ويخرج من احد ادراج خزنة حديدية ملفاً كتب عليه (خطة : ((نقطة تحول 2)) ) ليحملها معه الى اجتماعه مع اولمرت. في هذه الاثناء يصل الى مكتب ميتان العميد احتياط زئيف تسوك – رام، رئيس شبكة الطوارئ. ويقول هل تأمر ببدء إعلان الاستنفار في حالة شبكة الطوارئ. يجيب ميتان. نعم.. بالتأكيد.. منذ هذه اللحظة كل اسرائيل ضمن فعاليات شبكة الطوارئ. مناورة 7 نيسان بخصوص الجبهة الداخلية، ستوضع منذ هذه الساعة موضع التنفيذ الفعلي. ولكن انتظرحصولي على الاشارة السياسية، ربما بعد نحو ثلاث ساعات. يتوجه ميتان الى مكتب اولمرت في القدس، وحسب خطة ((نقطة تحول 2)) التي رسمت سيناريو مسبقاً لكيفية التصرف في حال قام حزب الله برد قوي على اغتيال مغنية، يصل ايضاً الى مبنى رئاسة الحكومة كل من رئيس و نائب رئيس هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، الجنرال اشكنازي والجنرال دان هارئيل ورؤساء اجهزة الموساد والشاباك وامان، ووزير الامن الداخلي ووزيرة الخارجية تسيبـي ليفني، وتعقد مشاورات غير رسمية ريثما يدعو أولمرت لاجتماع لمجلس الوزراء لمناقشة كيفية التصرف. رئيس الموساد يقدم تقديرا اولياً للموقف : حزب الله تقصد ان يكون الهدف باراك، نظراً للاعتبارات التالية : الرد على اغتيال رأس الهرم العسكري في حزب الله برأس الهرم العسكري في اسرائيل. الانتقام من باراك بالتحديد لكون حزب الله يحمله المسؤولية عن اتخاذ قرار اغتيال مغنية، والايحاء بأن قتل المسؤولين في الحزب سيواجه بقتل المسؤولين عن اتخاذ هذه القرارات في اسرائيل. اخيراً، الحزب يتوقع ان يسود الارباك على المستوى الامني في اسرائيل، نتيجة اغتيال باراك، بحيث يصبح قرار الرد العسكري مربكاً، كما ان خوض اسرائيل الحرب بدون باراك سيضعف معنويات الشعب الاسرائيلي جراء اعتقاده انه ضمانة الفوز بهذه الحرب. ويختم رئيس الموساد تقدير الموقف بتوصية مهمة، وهي ضرورة ان يتم تعيين خلف لباراك بخلال نهاية هذا اليوم حتى لا نترك إشارة ضعف لحزب الله.
يقترح ((الموساد)) تعيين ميتان، ويقترح الامن العسكري تعيين اشكنازي، اما الشاباك فيقترح استشارة حزب العمل باسم وريث باراك. نقاط القوة في سيرة ميتان الشخصية، تفيد، بحسب تقدير الموقف الذي يقدمه الموساد، بأنه مطلع على التفكير الامني لباراك وعلى خططه بخصوص كيفية مواجهة الحرب الجديدة في لبنان وضد سوريا وإيران. واللافت في سيرته هو قيادته لعملية قرية السموع الفلسطينية - قضاء الخليل في 13 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1966، حيث هدم القرية وقتل من أبنائها 18 شخصاً وجرح 134. ويعبر هذا الامر عن إرادة الرد القاسي لدى ميتان. رئيس الموساد يعتقد ان تعيين ميتان سيرسل لحزب الله وللبنانيين رسالة عن ارادة الرد القاسي في حال ذهب حزب الله بعيداً في استهداف العمق الاسرائيلي بالصواريخ. سيرة اشكنازي تظهره انه متخصص بأوضاع حزب الله وبالوضع في لبنان.. اولمرت يطور رأي الشاباك، فيقترح تعيين ميتان بالوكالة، ليصار لاحقاً الى استمزاج رأي حزب العمل بمن يريد وزيراً للدفاع بدلا من رئيسه باراك. وبرأي اولمرت يجب مراعاة التوازنات السياسية داخل الحكومة عند الحديث عن تعيين بديل لباراك الذي هو اضافة لكونه وزيراً للدفاع وقائداً عسكرياً ومشرفاً على المؤسسة العسكرية فهو أيضاً رئيس لحزب العمل الشريك الاكبر في الائتلاف الحكومي. رئيس امان : الوقت ضيق ونحن في حالة طوارئ وعليه فإن تعيين بديل لباراك يجب ان يخضع لخصوصية اللحظة الامنية الاستثنائية. وقد يكون من المفيد عدم انتظار توافق حزب العمل على بديل لباراك، بل يمكن استمزاج رأي شمعون بيريس في انتقاء شخصية من الحزب ليكون وزيراً للدفاع. ثم يصار الى نقاش خيارات الرد:
اولمرت هل نقوم برد قوي لكنه محدود، أم ندخل حرباً شاملة مع حزب الله، أم نقوم بحرب مع الحزب وسوريا في آن معاً.
تسيبـي ليفني: يجب التشاور مع واشنطن. خلال زيارة باراك الاخيرة الى واشنطن نصحه البنتاغون بعدم الدخول في حرب شاملة مع حزب الله في هذه المرحلة. فالحزب لديه صورايخ بعيدة المدى التقطتها الاقمار الاصطناعية الاميركية . واسرائيل لن تنته من بناء القبة الحديدية قبل عام 2010 (المقصود: انتاج صواريخ مضادة لصواريخ ارض – ارض قصيرة ومتوسطة المدى). أولمرت: لكن الرد القوي المحدود سيتبعه رد من حزب الله على شكل دفعات من الصواريخ تستهدف كل مستوطنات الشمال وربما أبعد من ذلك. وقد يتواكب ذلك مع إطلاق صواريخ من قطاع غزة تقوم بها حماس أو بأضعف تقدير حركة الجهاد الاسلامي. رئيس شبكة الطوارئ: نحن نستطيع إخلاء سكان الشمال في غضون ساعات تنفيذاً لمناورة 7 نيسان، ونستطيع إنزال سكان حيفا الى الملاجئ في غضون سبع ساعات. والسؤال هو عن مدة الحرب؟ الجبهة الداخلية لا تستطيع تحمل حرب تتجاوز الاربعة أسابيع على أبعد تقدير. ليفني: أميركا تستطيع التحذير بشكل علني من انها ستكون معنية بالدفاع عن الجبهة الداخلية الاسرائيلية. وهذا يوفر لإسرائيل ان ترد بضربة قوية ومحدودة من دون ان يقوم حزب الله برد شامل بل برد رمزي. وهنا نكتفي بإخلاء مستوطنات الشمال لبضعة أيام او على أبعد تقدير اسبوعين. اشكنازي: بخصوص سيناريو حرب شاملة ضد حزب الله تتوافر لدى هيئة الاركان خطة جاهزة، مفادها: اجتياح بري سريع من منطقة راشيا بعمق 27 كيلومتراً في منطقة البقاع الغربي، وبذلك تصبح دمشق في مرمى نيران القوات الاسرائيلية، ويمكن تحقيق هذا التقدم بظرف خمس ساعات.. المنطقة مختلفة عن منطقة القطاع الاوسط الصعبة المسالك. القطاع الغربي مثالي لزحف سريع للدبابات. هذه العملية ستؤمن هدف قطع طريق بيروت دمشق، مما يجعل حزب الله يخسر عمقه التسليحي الاستراتيجي.الهدف هو البقاء في هذه المنطقة، واستصدار قرار من مجلس الامن بنشر قوات دولية فيها. هكذا نعزل حزباً تسليحياً عن سوريا، ونجعل موقف لبنان اقوى في أية مباحثات مع سوريا حول تصحيح علاقاتهما. وإذا دخلت سوريا الحرب، فلدينا بنك اهداف لقصفه، وسنشل سوريا وسترغم على وقف إطلاق النار، ونحن لن ندخل الاراضي السورية بل سنقف على أبواب دمشق داخل الاراضي اللبنانية. ونفاوض على انتشار جديد لقوات ((اليونيفيل)) في تلك المنطقة وعلى الحدود اللبنانية – السورية. ميتان فلنائي: ان تنفيذ سيناريو اشكنازي يفترض تأمين المستلزمات التالية: أولاً: تحييد حماس لأن الجيش والجبهة الداخلية سيكونان بوضع صعب إذا قاتلنا على الجبهة الشمالية والجنوبية في وقت واحد. فالمشكلة ليست فقط في الصواريخ المنطلقة من حماس والجهاد انطلاقاً من غزة باتجاه عسقلان والعمق الاسرائيلي، بل أيضاً بأن الرد الإسرائيلي على غزة سيسفر عن تكرار محاولات حماس لدفع سكان القطاع لاقتحام الجدار على الحدود بين مصر والقطاع. وهنا سنواجه الشارع المصري الذي سيدخل على جهد تجييش الشارع العربي في هذه المعركة. واشنطن عندها، ستقول لنا كفى خوفاً على الوضع المصري الداخلي. وهنا يقترح ميتان الاتصال بالسفير النرويجي في تل ابيب لحث بلاده على تذكير حماس الاتفاق الذي رعته النرويج والذي حصل بشكل سري بينه وبين ممثلين عن حماس في وزارة الدفاع في تل ابيب وقوامه مبادلة وقف اطلاق الصواريخ بالغذاء لغزة وبوقف اسرائيل لعملياتها هناك ضد قادة حماس. (تفاصيل هذا الاتفاق كشفه امين عام رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية لجريدة ((الصباح)) في غزة الطيب عبد الرحمان). ثانياً: يجب القيام بعملية استباقية تستهدف شبكة صواريخ أرض – جو الروسية التي نشرتها سوريا على طول شواطئها بمساعدة وإدارة خبراء روس. هذه الصواريخ تستطيع اعتراض الطائرات الاسرائيلية حتى قبل ان تصل الى اجواء سوريا. بعد تنفيذ هذه العملية يتم الاتصال بالاتراك لابلاغ سوريا بأن الضربة هي دفاعية، وليس لدى اسرائيل نية بدخول الاراضي السورية. وهي مستعدة بعد إنجاز عملية اقتحام منطقة البقاع الغربي ان تستأنف اتصالاتها السرية مع دمشق حول سلام في الجولان. وهنا توجد نقطة قوة في صالح خطة اشكنازي، وهي ان سوريا لن تصل مرحلة ((النضج العملياتي))، إلا في عام 2009 ، حيث تنجز استكمال صفقات السلاح الكبرى مع روسيا. وعلى هذا هناك مجال للتكهن بأن سوريا لن ترد على قصف اسرائيل لشبكة صواريخها للدفاع الجوي. ثالثاً: يجب تنفيذ الهجوم البري بسرعة فائقة ، ثلاثة ايام أو اسبوع على أوسع تقدير، حتى تبدأ خطوة عقد جلسة لمجلس الامن لنشر قوات دولية في المنطقة التي تجتاحها اسرائيل. يحاول اولمرت ان يجمل النقاش: تعيين بديل لباراك يجب ان يتم خلال ساعات لتلافي إشارات الضعف. ميتان وزير بالوكالة. خيار ضربة قوية ولكن محدودة لحزب الله، تضمن واشنطن عدم تحولها لحرب مفتوحة ضد العمق الاسرائيلي من قبل حزب الله، عبر اصدار الادارة بياناً يحذر فيه من ضرب المدن الاسرائيلية بالصواريخ. خيار اشكنازي بالسيطرة على منطقة البقاع الغربي وقطع طريق دمشق – بيروت، ونشر قوات دولية في تلك المنطقة وعلىالحدود اللبنانية السورية. الى هنا، انتهى سيناريو محاكاة كيفية التصرف في حال مواجهة حرب بدون باراك او حتى معه . ولكن السؤال الذي يطرحه اكثر من معلق عسكري في اسرائيل، هو: من الذي سيقرر اعتماد هذا الخيار او ذاك؟. الجواب واحد وهو واشنطن. وذلك لعدة أسباب: حتى العام 2010 فإن حماية الجبهة الداخلية هي مسؤولية اميركية. وربما بعد هذا العام ستظل الجبهة الداخلية مسؤولية أميركية، لان النقاش بخصوص القبة الحديدية يظهر ان نجاحها غير اكيد. ووصول المدمرة كول الى شواطئ المتوسط عشية وخلال الحرب الاسرائيلية الاخيرة على غزة، تظهر ان اميركا ملتزمة بهذه الضمانة . ولكن حتى مع هذه الضمانة هناك مشكلة : فبطاريات صواريخ باتريوت معدة للرد على احتمال هجوم على الجبهة الداخلية وفق نسخة الحرب مع صدام حسين وتحديات من نوع سقوط بضعة صواريخ سكود على اسرائيل. علماً ان المطروح الآن سقوط مئات الصواريخ دفعة واحدة انطلاقاً من سوريا ولبنان وغزة وربما ايضاً من ايران!. الهدف المركزي للتحدي الاستراتيجي لاسرائيل- كما صاغته اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية الثلاثة - هو ايران وليس سوريا او حزب الله او حماس. وباراك وفق نظريته الامنية الجديدة يعمل من اجل إقناع العالم على تشكيل حلف عسكري عالمي لمقاتلة ايران، وضرب منشآتها النووية، تكون اسرائيل جزءاً منه، وليس رأس حربته. وعليه فإن فتح حرب شاملة في الشمال قد يخدم إيران كما حصل في حرب تموز عام 2006 . فاستراتيجية ايران تقوم على إشعال النار في المنطقة خارج اراضيها لتغطية مسار بناء سلاحها النووي وتعزيز دورها الاقليمي. وهكذا فإن اسرائيل في حال استدرجت لحرب ضد سوريا ولبنان تكون كمن يسير بقدميه لخدمة هدف ايران الاستراتيجي. ولعل تشابك مجمل هذه التعقيدات هو الذي جعل كبير المعلقين العسكريين في صحيفة معاريف المقرب من المؤسسة العسكرية، يوجز مجمل الكلام الاسرائيلي عن المناورات والحرب بالقول: ان اسرائيل تستعد لحرب لا تملك كل إمكانات الرد عليها ولا تعرف متى يجب ان تبدأ وكيف : السؤال المركزي : ايران اولاً.. أم حماس أم حزب الله وسوريا ؟ بالنسبة لباراك على الاقل الاجابة واضحة: إيران أولاً . ولكن العالم ليس جزءاً من ألوية الجيش الإسرائيلي.
ناصر شرارة الشراع
|