إتصل بنــا

وصلات هامــــة

إنتســب وأرسل مقالاتك

مقالات وتعليقات مختلفة

الصراع العربي الإسرائيلي

مـــن نحـــن

الرئيسية

 

 
 
 

 

 

من الانقلاب العسكري والانقلاب الإلكتروني إلى الإنقلاب القضائي

 

صناعة تركية لا صناعة أتاتوركية!

المحرر العربي

 

يعرف رجب طيب أردوغان اسم الجنرال الذي قال في اجتماع لهيئة الأركان: «أنا شخصياً، سأذهب بهذا الرجل إلى المشنقة»، تماماً كما حدث لرئيس حكومة سابق هو... عدنان مندريس! ولكن لا بد من التريث، في الوقت الحاضر، فالجنرال إياه قال أيضاً «إننا لن نبدل الخوذات بالعمائم حتى ولو انقلبت الدنيا». هذا الكلام عسكري، والجنرالات يفضلون أن تنقلب الدنيا على أن يتحولوا إلى ظلال مرقطة لأولئك الساسة الذين يعتبرون أن مصطفى كمال (أتاتورك) بالغ كثيراً في تغريب تركيا، ومن دون أن ينجح نزع الطرابيش ولا حلق اللحى في إقناع البابا بنيديكتوس السادس عشر، ولا حتى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي (وقبله الرئيس فاليري جيسكار ديستان)، في أن هذا البلد الموزع بين آسيا وأوروبا تبنى مفهوماً دينامياً للإسلام الذي يمكن أن يمد يده إلى المسيحية من دون المرور بكهوف تورا بورا..

 

الانقلاب القضائي

الآن، بعد الانقلاب العسكري، والانقلاب الإلكتروني (عبر إنذار الأنترنت الذي بعث به الجنرالات إلى أردوغان)، الانقلاب القضائي. هذا شيء لا يصدق أن يتجاهل المدعي العام التمييزي عبد الرحمن يالتشينكايا مواقف أكثر من 60 في المئة من الناس، ويطلب من المحكمة الدستورية إقفال (أو حظر) حزب العدالة والتنمية، لأنه يعمل على تحويل تركيا إلى دولة إسلامية على المدى الطويل، وبالتالي القضاء على الديموقراطية، من دون التورع عن اتهام الحزب بإمكان اللجوء إلى الإرهاب لتحقيق ذلك.. ردات الفعل جاءت مثيرة: «حين يقول يالتشينكايا إن أرودغان يضع في قلبه أسامة بن لادن»، فيما كان على صحافي مقرب من الحزب أن يذكّر القاضي بأن اسمه «عبد الرحمن» وليس توم كروز أو جورج واشنطن. الكل يعودون إلى الجذور. الاتحاد الأوروبي يوصف بالنادي المسيحي على الرغم من كل عمليات الفصل بين الدين والدنيا، وساركوزي نفسه، الآتي من بيت أرثوذكسي والذي قلما ذهب إلى قداس الأحد، أو علّق في مكتبه صورة السيدة العذراء، أعدّ كتاباً لتأكيد كاثوليكيته، حتى وإن قال جان دانييل إنه عندما ينظر ساركوزي إلى الأعلى فهو لا يشاهد سوى... ساركوزي.

 

غداً التشادور

الدبابات غاضبة في تركيا. الجنرالات يقولون: «اليوم الحجاب وغداً التشادور»، وثمة ضابط متقاعد أثار هياج رواد أحد المطاعم في أزمير حين راح يسأل، وبصوت عال: «ومتى نقيم الاتحاد الفديرالي مع آية الله علي خامينيئي»، ليؤكد أن الأتراك الذين دخلوا إلى القرن العشرين يرفضون أن يكونوا مواطني... القرون الوسطى. لا بلاط، ولا حرملك، ولا تكايا، مع أن الجنرالات تحولوا إلى سلاطين فعلاً. قصور، وحدائق، وسيارات فارهة، وطائرات خاصة، وأسهم في البورصة، و«جاريات» يؤتى بهن من بعض دول البلقان، وإن كانت إحداهن، وهي رومانية، قالت إنها تفضل أن تمضي سهرتها مع خنزير على أن تمضيه مع أحد أولئك الجنرالات. هذا طراز آخر من الكراهية في البلقان..

 

كهنة الأتاتوركية؟

واقعاً، ليس صحيحاً أن الجنرالات هم كهنة الأتاتوركية. وأحد المعلقين يكتب: «حين يسقط فلاديمير ايليتش لينين، من الطبيعي أن نرى تمثال أتاتورك يترنح». ثمة نموذج معين من الأيديولوجيا زال. سبق لفرنسيس فوكوياما، وقال إن التاريخ انتهى، ومن دون أن يدري أن ثمة ظواهر أيديولوجية أخرى كانت بالانتظار، وأن التاريخ ما زال هناك... في تركيا لا يزال هناك. الجغرافيا شديدة التعقيد والحساسية. تركيا هي الدولة الوحيدة التي تطل على بحار أربعة: المتوسط (1577 كيلومتراً) ايجه (2805 كيلومترات)، الأسود (1695 كيلومتراً) ومرمرة (927 كيلومتراً)، فيما هي الدولة الوحيدة في آسيا وأوروبا تتاخم 7 دول (سورية، إيران، أرمينيا، جيورجيا، بلغاريا، اليونان، العراق، فضلاً عن جمهورية ناخيتيشفان ذات الحكم الذاتي في أذربيجان).

 

الدين العلوي

الناس أيضاً يعيشون ما كان يسميه ناظم حكمت «القلق الخلاق». الآن يحكى عن التنوع الذي فرضته ظروف معينة وبقيادة الطورانيين بأنه جعل من تركيا كيساً حافلاً بالثقوب: اتنيات ومذاهب، بما في ذلك المذهب العلوي الذي يقول بعض أركانه إنه دين مستقل وليس مذهباً، وهذا هو سبب الخلاف مع العلويين في بلدان أخرى. لنتصور أن «رجال الدرك» قصدوا المركز الرئيسي لحزب العدالة والتنمية وختموه بالشمع الأحمر. في هذه الحال، عليهم أن يقفلوا رئاسة الجمهورية حيث عبدالله غول، ورئاسة الحكومة حيث رجب طيب أردوغان، والبرلمان، بطبيعة الحال، والبلديات، وما دام مدعي عام التمييز الذي يتذكر أن المحكمة الدستورية، وبناء على طلبه، حظرت عام 1998 حزب العدالة والرفاه، وجعلت نجم الدين أربكان يتسكع بين المقاهي، كما حظرت عام 2001 حزب الفضيلة، يتهم الحزب الحاكم حالياً بأنه يسعى إلى «أسلمة» البلاد، فهل يتوقع أن يأمر بإقفال المساجد؟.. الكلام في اسطنبول هكذا الآن. قد يأمر بالتشينكايا بإطفاء أنوار المآذن، بل وبوقف الأذان، وبالإنقضاض على المصلين لأنهم، وحسب طلبه إلى المحكمة الدستورية، هم عبارة عن قنابل موقوتة قد تعمل ذات يوم لمصلحة الإرهاب.. لكن الجنرالات يشيرون إلى النماذج الإسلامية: طالبان في أفغانستان والتي أعادت هذا البلد الذي زاره ألفرد أنغلز، شريك كارل ماركس في كتابة «رأس المال» في عام 1858 وتحدث عن منازله البيضاء وحدائقه الغناء، أعادته الى تخوم العصر الحجري ، وآيات الله في إيران التي يتمنى الناس فيها على أن يتنشقوا الهواء الذي يريدونه، وأن يرتدوا الملابس التي تقترب بهم أكثر فأكثر من الحداثة. إذاً، هل يصبح أردوغان الملاّ عمر أو علي خامينئي؟ الجنرالات الذين نفذوا انقلابين (جمال غورسل عام 1960 وكنعان افرين عام 1980)، ناهيك عن حركتين انقلابيتين أدتا إلى تغيير السلطة ونهجها، يتقنون الخديعة، ويضغطون على القضاة المخضرمين الذين يخشون أن يحل محلهم ذات يوم قريب... قضاة الشرع.

 

الائتلاف العجيب

إذاً، الجنرالات والقضاة في ائتلاف عجيب. في إحدى الجامعات، علا الصراخ احتجاجاً: «القانون تحت جنازير الدبابات». والعلمانيون يصرخون، بدورهم: «هل من مصلحة الأتراك العودة إلى ثقافة المراعي؟». الجدل يأخذ هذه الحدة. جدل بين رأيين أم بين أمتين، بين وجهتي نظر أم بين ثقافتين. ولكن ماذا لو عاد الجنرالات إلى ذلك الغباء القديم ونفذوا انقلاباً عسكرياً؟ يسأل أحد المعلقين: ولكن هل تستطيع الدبابات أن تصمد أمام... الصلوات؟ المشهد تغيّر كثيراً، لكن أرودغان ليس أيمن الظواهري ولا علي أكبر محتشمي. إنه يرتدي ربطة العنق، ويتجول في سيارة فاخرة، ويستمع إلى أغنيات العشق (ويضحك ليس فقط عند الحاجة الملحة)، ويقرأ حتى الكتب العبثية في الغرب. هذا لا يكفي لكي يصفح عنه الجنرالات والقضاة الذين يريدون الاحتفاظ بأسنانهم الصفراء... رسالة إلكترونية، من ضمن آلاف الرسائل التي وجهت إلى المدعي العام التمييزي الذي يبدو أنه يعيش في زمن غير هذا الزمان: «نحن، يا صاحبي، صناعة تركية لا صناعة أتاتوركية»!