|
المدينة الشمالية تغرق بفقر لا يترك
الا السلاح قوتا لها
كثيرة هي الاسباب التي قد
تجعل المجموعات المسلحة تنمو وتتكاثر، أبرزها الفقر المتنامي بكل
أشكاله في الشارع السني الطرابلسي. وللمعاينة، كان لا بد من جولة على
بعض النماذج الطرابلسية، بمختلف انتماءاتها السياسية.
مجموعة عربي عكاوي نجل خليل عكاوي الذي ارتبط اسمه بالصراع مع السلطات
السورية في الثمانينات، تتحدث وكأن ذاكرتها الجماعية توقفت عند مبادئ
خلفها الزعيم "عكاوي"، ويصعب على أتباعه تطبيقها وسط فوضى سياسية
عسكرية أفقدت المنطقة لونها التعددي وسيّجتها بأحزام فقر وبؤس طبعت في
الأحياء وجوهًا قاسية لا تعرف إلا السلاح قوتًا لها.
"المعركة تبدأ من دون أن نعرف من أطلق الشرارة الأولى، إلا أننا نرى
أنفسنا ملزمين خوضها دفاعًا عن منطقتنا خصوصًا وأن النيران التي تطلق
من جبل محسن لا تترك مجالا لسير مفاوضات التهدئة"، هكذا يرى أحدهم، ممن
يضعون أنفسهم تحت مظلة عكاوي، المشهد في التبانة، ويقول إنّ جيرانه
بعضهم من أنصار "تيار المستقبل" وبعضهم يتبعون "التيار السلفي" يملكون
الأسلحة بكميات كبيرة، بيد أنه يقاتل بذخيرة أقل تطورًا. وعلى الرغم من
هذا الامر، يعود ويؤكد ان الجميع في المعركة يدًا واحدة تواجه النيران
أينما ضربت.
أنصار "تيار المستقبل"
والرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي، يرون بدورهم أن انتصارهم يعني
انتصار زعيمهم، خصوصًا على أبواب المعركة الانتخابية عام 2009، في
مدينة يستعمل فيها السلاح وقودًا انتخابيًا بدلا من البرامج الاجتماعية
التي تخرج المنطقة من مستنقعات الفقر والبؤس الغارقة بها. وعن هذا
الموضوع يقول المراقبون، إن مفاتيح المدينة، التي تعمل لحساب قيادات
سياسية تعتقد أن هذه المفاتيح تسيطر على شارعها، هي في الواقع تفقد هذه
السيطرة لعدم الوفاء بوعودها من تقديم مساعدات مادية أو توزيع بعض
الأغذية على العائلات التي ينضوي أفرادها تحت لوائها، وإنما، وبشكل
مغاير تمامًا للتعليمات المعطاة لها، تحتفظ تلك المفاتيح بالأموال
لنفسها ويقتصر التوزيع على بعض المعاونين والمتعاونين.
وفي حين تواجه المجموعات الطرابلسية المتقاتلة او المتكاتفة أحداث
الشمال، فإنّ فريقًا آخر تقابلك لافتاته عند مدخل المدينة، عند
المستديرة التي لا يزال النزاع حول تسميتها بساحة النور أو ساحة الله ،
يلعب الدور الاساس في المدينة التي توغل إلى أعماقها، مدربًا شبابها
على النضال من أجل أن يكون الإسلام أولا، لا لبنان أولا. فـ"السلفيون"
المتوغلون الى أعماق عاصمة الشمال يرون في كل محطة سياسية مناسبة لهم
لدخول المعترك السياسي اللبناني من باب أحد الزعماء أو إحدى القضايا
البارزة في المدينة. وكما يقول أحد المقربين من تلك الجماعات، "إن كلمة
السر التي يلهث خلفها الشارع السني تختصر بإثارة النعرات الطائفية
السنية، فيلعب الفريق "السلفي" على وتر شعور الشباب السني بالاضطهاد
لشدة فقره ويستنفر عصبيتهم تحت شعار عدم سعي زعمائه لمعالجة أزماته إلا
عند المحطات الانتخابية".
لكن وخلال هذه الجولة الطرابلسية يتبيّن أنه على الرغم من اختلافاتها،
لا ترى تلك المجموعات سبيلا إلى الحل سوى ببسط سيطرة الدولة عبر الجيش
اللبناني والقوى الامنية على المدينة الشمالية بكل ما تحويه من مخازن
أسلحة جديدة وقديمة. وفي هذا السياق، إذا سألنا أي طرابلسي أو حتى أي
مقاتل في المعارك الاخيرة، تراه يقول: "إذا كنت مذنبًا فليأخذوني!
ولكن، لتكن العدالة سيدة الموقف، فلتدخل الآليات العسكرية على كل حي
وشارع ومنزل دون استثناء حتى تتحول المدينة الى مكان آمن لكل
عائلاتها".
هو الامتحان الصعب، امتحان سيكلف أرواحًا وشهداء ومعارك ضارية،
إلّا إذا ضربت الأيادي بقبضتها الحديدية، عندها حتمًا ستحمل المدينة
أكاليل النصر والغار في مباركة شهدائها، تمامًا كما كللها النصر بعد
معركة نهر البارد.
ناو ليبانون
18-8-2008 |