|
شهيد لبنان من “عين علق“ إلى
المحكمة الدولية

مضى عام كامل على استشهاد الرائد في جهاز
المعلومات في قوى الأمن الداخلي الشهيد وسام
عيد، والمعاون أول أسامة مرعب. بدت أيام هذا
العام سريعة في مرورها، ولكنها كثيرة نسبياً
لما مرّ فيها من أزمات ومشكلات سياسية وأمنية،
وكذلك ايجاد حلول لبعض الأمور العالقة
لبنانياً.
في الخامس والعشرين من كانون الثاني من العام
2008، ولدى مرور سيارة الرائد عيد في منطقة
الحازمية، انفجرت عبوة ناسفة قدرت بأكثر من 50
كيلو غراماً من مادة الـ“ تي ان تي“، إضافة
إلى مواد متفجرة معها. أوحى حجم العبوة،
ونوعية موادها المستخدمة، لمن رأى صور الحدث،
ان المقصود باغتيال هذا الشخص هو الايغال في
القتل والتوحش قدر الاستطاعة، إلى جانب اعاقة
عمل القوى الأمنية ومنع التحقيق الدولي من
الوصول إلى معلومات جديدة عبر تعاونه مع فرع
المعلومات في قوى الأمن، فالكثير من المعلومات
حول التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس
الشهيد رفيق الحريري وما تلاها من جرائم، كانت
تمر عبر الشهيد عيد أو قام هو باكتشافها،
وخصوصاً التحقيقات بالاتصالات الهاتفية
المرتبطة بجريمة “السان جورج“.
وكذلك، لم يكن اغتيال عيد إلا قطعة مترابطة مع
سلسلة طويلة بدأت منذ محاولة اغتيال الوزير
مروان حماده، وصولاً إلى اغتيال الرئيس الشهيد
رفيق الحريري، وما تلاها من عمليات اغتيال
سياسي مخصص لفئة سياسية واحدة، هذه الأزمة أو
الحرب المفتوحة على مصراعيها توالت، لتختار كل
مرة هدفاً له مكانته في هذه المعركة.
بعد اغتيال عيد، بدأت حملة جديدة على أمن
الناس وحياتهم، حيث تطورت عمليات المشكلات
الداخلية من تعدّ على بعض الناس في اشكالات
سميت فردية، إلى تعطيل الحياة العامة واحتلال
بيروت ومحاولة الهجوم على الجبل، كانت
الاغتيالات تتقدم في كل مرة لتختار هدفاً له
دوره في المرحلة التي ستلي أو في المرحلة التي
سبقت، فاغتيال النواب كان لمنعهم من انتخاب
رئيس الجمهورية، واغتيال الوزراء كان لتفريغ
الحكومة والوصول بالوطن إلى الانهيار، وكذلك
محاولة ضرب المؤسسة العسكرية عبر قتل اللواء
فرانسوا الحاج الذي قاد معركة “البارد“، ومن
بعده أتت عملية اغتيال عيد لعدد من الأسباب
أهمها علاقته بالتحقيق الدولي وما استطاع
التوصل إليه من معلومات أسهمت بتقدم التحقيق،
وكذلك اعتبر هذا القتل يومها خطوة كبيرة في
سبيل القضاء على أمن الناس وتخريب حياتهم،
لجعل لبنان على حافة الفلتان الأمني، كما
السياسي.
وزن العبوة الناسفة هو الأقوى والأكبر في
مسلسل التفجيرات التي طاولت لبنان، ما يشير
إلى نيّة تصفية الضابط عيد نهائياً وعدم
السماح له بالنجاة، بالإضافة إلى توجيه رسالة
مدوّية لقوى الأمن الداخلي بعد الرسالة التي
وصلت إلى قيادة الجيش باغتيال اللواء فرنسوا
الحاج.
كان اكتشف الرائد عيد ارقام الهواتف التي
استعملت في عملية اغتيال الحريري من خلال
خبرته كمهندس اتصالات ومعلوماتية، وهذا يعتبر
عملاً كبيراً في قضايا التجسس ومكافحة عمليات
الاغتيال. إذاً جاء اغتيال وسام عيد ليعيد
توضيح أسباب المقتلة التي مرّت من العام 2004،
وتأكيد صعوبة الخيارات التي قام اللبنانيون
برسمها خلال انتفاضة الاستقلال وما تلاها من
صمود امام الهجمات التي لم تتوقف.
لم يكن صعباً تحليل أسباب اغتيال الرائد، فهو
رجل المهمة الأصعب في قضية التحقيق الدولي، أي
ملف الاتصالات الهاتفية التي ارتبطت بقضية
تفجير “السان جورج“ وكذلك العديد من عمليات
التفجير والاغتيال، فالرجل استطاع بجهود جبارة
مع فريق صغير من متابعة ملايين الاتصالات قبل
أوقات القتل وخلاله وبعده، للوصول إلى الأرقام
التي لها ضلع بالجريمة، وهو استطاع متابعة هذا
الملف الشائك مع “لجنة التحقيق الدولية“
للوصول إلى تحديد هوية المجرمين وما قاموا به
من عمليات اتصال وتنقّل وتحرك ومتابعة
“ملاحقة“ لموكب الرئيس الحريري من لحظة خروجه
من المجلس النيابي وصولاً إلى موقعة المقتلة.
قبل اغتيال الشهيد عيد، كان فرع المعلومات
تعرض لضربة قوية بمحاولة اغتيال المقدم سمير
شحادة خلال تنقله بين صيدا وبيروت، محاولة
الاغتيال تلك والتي ادت الى استشهاد أربعة من
الأمنيين ونجاة شحادة بالصدفة، كانت مفتاح
توجيه الضربات الى الجهاز الأمني الذي استطاع
ان يخطو خطوات كبيرة في مساعدة “لجنة التحقيق
الدولية“ للوصول إلى المحكمة الدولية الخاصة
بلبنان.
بعد أشهر قليلة سيطر الغليان الأمني في
الشارع، حصل انقلاب السابع من أيار على الدولة
ومفهوم المواطنية، والحريات العامة والخاصة،
كان واضحاً ان بعض من يدير الحركة السياسية
الداخلية قد وصل إلى حائط مسدود مع وصول رئيس
لجنة التحقيق الدولية “دانيال بلمار“ إلى
الكثير من المعطيات التي تؤكد كل التحقيقات
التي سبقت عمله، من أيام المحقق الدولي
“ديتليف ميليس“ وصولاً إلى المحقق “سيرج
براميرتز“.
كان للرائد عيد دور بتحديث فرع المعلومات في
قوى الأمن الداخلي، وهو كمهندس اتصالات استطاع
ادخال تقنيات حديثة على عمل القسم الذي يديره.
وهو الأمر الذي أسهم فعلياً في تعديل الكثير
من توجهات القسم الفنية والتقنية، ولدوره هذا
المرتبط بكثير من المخاطر، تعرض لأول محاولة
اغتيال في منزله، حيث كانت وضعت قنبلة انفجرت
قبيل وصوله إلى منزله، مما سرّع في تغيير مكان
اقامته والانتقال إلى منطقة “السبتية“
للابتعاد قدر الامكان عن محاولات القتل.
وكان هدف الاغتيال هو القضاء على فكرة الوصول
ولو عبر الأجهزة اللبنانية إلى الحقيقة في
عمليات الاغتيال، فقبل أشهر على اغتيال عيد
تعرض اللواء فرانسوا الحاج لعملية اغتيال، أدت
إلى استشهاده مع مرافقه، عملية الاغتيال تلك
أظهرت ان اللبنانيين من كل مواقعهم معرضين
للقتل.
القاضي زار يومها موق؊ ? الانفجار الذي استهدف
عيد، واطلع على المعلومات المتوافرة من
القاضيين جان فهد مفوض الحكومة لدى المحكمة
العسكرية، ورشيد مزهر قاضي التحقيق العسكري
الأول اللذين حضرا الى مكان الانفجار. فانفجار
بهذا الحجم إضافة إلى موقع عيد في التحقيق دفع
بمجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار وافق فيه
على طلب لبناني بتقديم لجنة التحقيق الدولية
مساعدات فنية وتقنية في التحقيقات التي تجرى
في الجريمة. فالآلاف من الأدلة البسيطة
والصغيرة التي تمّ جمعها ذلك اليوم كوّنت
الكثير من الصور عن العملية، والتي تشبه عدداً
آخر من عمليات الاغتيال.
كانت مرحلة ضغوط سياسية على بناء الدولة يمر
بها لبنان، مرحلة تبدلات في المنطقة والعالم،
هذه التبدلات لم تكن لتسهم في وقف الاعتداء
الذي يتعرض له الشعب اللبناني، بل على العكس
كانت لحظة سوداء تسهم في استقواء “نظام
الوصاية“ على اللبنانيين وأمنهم.
زملاء وعارفو الشهيد عيد الضبّاط يصفونه
بـ“الماهر والذكي والمتقن لعمله“، هو الذي
أماط اللثام عن جريمة تفجير حافلتي نقل
الركّاب في بلدة عين علق بعيد وقوعها في 13
شباط من العام 2007 حيث استطاع رصد الاتصالات
الهاتفية التي تمّت بين الجناة الفارين، وأدّت
إلى توقيف أحدهم قبل أن تكرّ سبحة التوقيفات.
وكشف ايضاً العلاقات التي تربط “فتح الاسلام“
بالمخابرات السورية وتحديدا باللواء آصف شوكت
وأسهم مساهمة فعالة في تحليل الاتصالات
الهاتفية التي اماطت اللثام عن معطيات مهمة
تتصل باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ومع
اقتراب موعد قيام المحكمة ذات الطابع الدولي،
برز للرائد عيد دور اساسي مع اللجنة وكانت
الاجتماعات متواصلة مع رئيسها الجديد.
في تلك المرحلة كان وزراء الخارجية العرب
يجتمعون لمناقشة تقرير الامين العام لجامعة
الدول العربية عمرو موسى في شأن الازمة
السياسية والأمنية في لبنان، وجاء الانفجار
كذلك ليشكل رسالة واضحة لكل من يهتم بلبنان من
العرب، بأن مصير هذا البلد سيبقى محكوماً
بالإجرام والإرهاب، على الرغم من كل المبادرات
والجهود ومساعي البحث عن حلول.
كان واضحاً ان الأمر حصل كما غيره من عمليات
الاغتيال السياسي لمنع قيام دولة ولفرض تبدلات
بالقوة يمكن ان تحسم تسوية الازمة لصالح محور
سياسي اقليمي.
الشهيد الرائد وسام عيد
أ- الاسم والشهرة: وسام محمود عيد.
ـ تاريخ الولادة ومكانها: 2/10/1976 ـ دير
عمار.
ـ الوضع العائلي:عازب.
ـ دخل السلك بتاريخ 18/4/2001 برتبة ملازم
مهندس مع أقدمية سنتين في الرتبة والراتب
وتدرج في الرتب حتى رتبة نقيب مهندس.
ـ رقي إلى رتبة رائد مهندس بعد الإستشهاد
ونال: وسامي الحرب والجرحى ـ ميدالية الأمن
الداخلي وميدالية الجدارة.
ـ خدم في عدة مراكز هي: معهد قوى الأمن
الداخلي ـ شعبة المعلوماتية ـ مكتب مكافحة
جرائم السرقات الدولية ـ رئيس المكتب الفني في
مصلحة الإتصالات وشعبة المعلومات.
ـ حائز على ميدالية وزارة الداخلية والبلديات
وتهنئة معالي وزير الداخلية والبلديات، وعلى
عدة تنويهات من اللواء المدير العام والعميد
قائد المعهد.
الشهيد المعاون أسامة مرعب
ب- الاسم والشهرة:أسامة مشهور مرعب.
ـ تاريخ الولادة ومكانها:1/5/1977 ـ البيرة
(عكار).
ـ الوضع العائلي: متأهل، وله ولدان.
ـ دخل السلك بتاريخ 1/9/1997 برتبة دركي متمرن
وتدرج في الرتب حتى رتبة رقيب أول.
ـ رقي إلى رتبة معاون بعد الإستشهاد ونال
وسامي الحرب والجرحى ـ ميدالية الأمن الداخلي
ـ ميدالية الجدارة ـ الميدالية العسكرية
وميدالية وزارة الداخلية والبلديات. ـ خدم في
عدة مراكز هي: معهد قوى الأمن الداخلي ـ وحدة
القوى السيارة ـ فوج التدخل السريع ـ السرية
الخاصة ـ وحدة الشرطة القضائية ـ مكتب مكافحة
الجرائم المالية ـ مفرزة طرابلس القضائية ـ
وحدة جهاز أمن السفارات ـ فوج الإدارات العامة
(مجموعة قصر عدل بعبدا).
ـ وحدة الإدارة المركزية ـ مصلحة الاتصالات
(مكتب المشاغل المركزية) وشعبة المعلومات.
ـ حائز على الميدالية التذكارية وعلى تهنئة
وزير الداخلية والبلديات مرتين وتهنئة العماد
قائد الجيش، وعلى عدة تنويهات من اللواء
المدير العام والعميد قائد الشرطة القضائية
والعميد قائد القوى السيارة.
والد الشهيد وعزاء المحكمة
يروي والد الشهيد وسام عيد ان ابنه كان خلال
زياراته القليلة إلى منزل الأهل في بلدة دير
عمار في الشمال، يتابع ملفات التحقيق، ويستمع
دائماً إلى تقارير لجنة التحقيق الدولية، وهو
كان يبتسم كلما سئل عن عمله، فهو صامت أمام
الناس ولا يحب أن يعرف الآخرين طبيعة دوره في
المهمة التي ستفضح المجرمين في محاولة القضاء
على الوطن.
الأب الذي يضع من حواليه صور ابنه الشاب، يرسم
له صورة جميلة في قلبه. صورة الحلم الذي فقدته
العائلة باكراً، وكذلك صورة الرجل القابض على
قضايا مهمة، لا يفارق حديث الأب عن ابنه لوعة
الفراق، وكذلك الاحساس بالخسارة، ولكنه يرى في
الشباب اللبناني صورة عن ابنه.
لا تفارق المنزل في بلدة دير عمار مسحة الحزن
التي طغت قبل عام، فبعد سماع الخبر عبر
الإذاعات وتوافد الناس من الشمال والعديد من
المناطق اللبنانية، تأكد أهل المنزل من حجم
الخسارة، لفوا حزنهم بالسواد، وانتظروا كغيرهم
من اللبنانيين كما كانوا ينتظرون سابقاً،
انتهاء التحقيقات وبدء عمل المحكمة الدولية
الخاصة بلبنان في شهر آذار المقبل.
المحكمة هي حلم العائلة اليوم، لأنها ستأتي
بالحقيقة وتأتي كذلك بكثير من المعلومات التي
كشفها الابن في نضاله اليومي من أجل لبنان.
يسمعون عن الكثير من الملفات ولكنهم متأكدون
ان واحداً من هذه الملفات الأكثر أهمية هو من
تعب وجهد ابنهم الذي استشهد من أجل هذه
اللحظة.
14 آذار
|