قراءة في مشروع نتنياهو وضفّته
الفلسطينية..؟
لم يقرأ الكثيرون الهدف الحقيقي من
قبول نتنياهو قيام دولتين إسرائيلية
وفلسطينية بالتوازي مع سياسة
الاستيطان في الضفة واشتراطه الاعتراف
العربي الفلسطيني بـ»يهودية« الدولة
الإسرائىلية . فقد رحّب البعض بجزء من
حديثه ورفض البعضُ الجزءَ الآخر .
مَنْ رحَّب نسي أنّ شرط الدولة
الفلسطينية المقابل هو يهودية إسرائىل
، أي خلوها من الفلسطينيين مستقبلاً .
وأن عدم التسليم بيهودية إسرائيل يعني
مزيداً من التوطين في الضفة بحيث
يتساوى العدد أو يتقارب بين يهوديي
الضفة وفلسطينيي إسرائىل تمهيداً
للمبادلة يوماً ما أو تبريراً للتدخل
دائماً.
واضحٌ أن نتنياهو يعرض صفقة . فإما أن
تقوم دولة فلسطينية مجردة من السلاح
وفيها العدد ذاته - أو ما يقاربه - من
اليهود في المستوطنات على أرض دولة
فلسطين في مقابل الفلسطينيين -
المواطنين في إسرائىل ، وإما أن
تُفكّك المستوطنات اليهودية في الضفة
في مقابل ترانسفير فلسطيني من إسرائىل
إلى الضفة أو سواها من وطن بديل . أي
إنه يعرض وطناً فلسطينياً مع أقلية
يهودية داخله في مقابل دولة إسرائىلية
مع أقلية فلسطينية داخلها ، أو دولة
يهودية خالصة في مقابل دولة فلسطينية
خالصة . طبعاً يبقى هناك اختلال العدد
بين الأقليتين اليهودية في الضفة
والفلسطينية في إسرائىل ، غير أن هذا
موضوع غير مطروح اليوم . إنه مؤجل
البحث لمرحلة لاحقة بحيث يكون العدد
متوازناً أو قريباً من التوازن . أي
فلسطيني في إسرائىل في مقابل يهودي في
الضفة أو يهودي واحد في مقابل
فلسطينيين اثنين مثلاً في إسرائىل .
مع ملاحظة أن يهوديي الضفة يحيون في
معازل كانتونية ، أما فلسطينيو
إسرائىل فيحيون داخل المجتمع
الإسرائيلي.
لقد طرح نتنياهو يهودية الدولة ليجعل
من الفلسطينيين فيها أغراباً وموضع
مقايضة مقبلة أو مواطنية مُنتَقَصة .
يستطيع تهجيرهم إذا أراد أو المساومة
على ما يقابلهم من اليهود داخل الدولة
الفلسطينية . يستطيع انتقاص حقوق
مواطنيّتهم بما يقابل انتقاص حقوق
المواطن اليهودي في الضفة .. أو منح
الفلسطينيين حق الإقامة من دون
المواطنة.
إن طرح يهودية الدولة والتوسع في
الاستيطان ليس مجرد سياسة عشوائية
ينتهجها نتنياهو ويعرف الغرب أبعادها
، ولكنها بعض سياسة جديدة يضع بذورها
اليوم في الأرض ليجعل منها موضوع
التفاوض غداً : فلسطينيو إسرائىل في
مقابل مستوطني الضفة من اليهود ومعهم
حقوق محمية بالقوة الإسرائيلية . أما
فلسطينيو إسرائيل فلا أحد لهم بعد
تصفية القضية وتوقيع اتفاقات السلام .
سيُتركون لمصيرهم ولن يجدوا المستقبل
أمامهم مفتوحاً بغير أحد حلين :
الهجرة لمواطن بعيدة أو الرضى
بالقوانين الإسرائىلية المقبلة التي
ستحدّ من حقوق مواطنيتهم ومن حضورهم
السياسي.
أهي نظرة تشاؤم من سلام يتحدثون عن
اقتراب موعده والرضى بشروطه..؟
لا . ولكنها مجرد هواجس يدفعني إليها
ما أعرف من تاريخ القضية وزواريبها
وأحابيلها ومطبّاتها.
وليرحم الله الحاج أمين الحسيني الذي
قال لي يوماً في السبعينات قبل أن
يوافيه الأجل : إنه صراع البقاء
لأجيال قادمة بين عقل غربي يعرف ما
يريد ونزق شرقي سريع رد الفعل يعرف ما
لا يريد ، ولا يريد ما يعرف.