ثلاث سنوات على »حرب تموز« من وجهة
نظر أوروبية
الأطلسي: حرب 2006 دجّنت »حزب الله«
وحوّلته إلى الداخل
ومضاعفة عدد صواريخه قابلتها إسرائيل
بمضاعفة قوة تدميرها
شبكة اتصالات للحزب وصلت إلى دمشق
نفسها بعد اغتيال عماد مغنية
شبكة »حزب الله« تراقب رئاستي
الجمهورية والحكومة السوريتين ورئاسة
استخباراتهما
خطأ الحكومة اللبنانية في إلغاء شبكة
الحزب لا في مراقبتها والحصول على
معلوماتها
لندن - السياسة الكويتية - كتب
حميد غريافي:
فنّد خبيران عسكريان برلماني وبلجيكي
في قيادة حلف شمال الأطلسي، في بروكسل
أمس، نتائج الحرب بين إسرائيل و»حزب
الله« على الأراضي اللبنانية بعد مرور
ثلاثة أعوام على »الانفجار الكبير
الذي أعاد لبنان أمنياً وعسكرياً
واقتصادياً عشر سنوات على الأقل إلى
الوراء«، تلك النتائج التي »ما زالت
تداعياتها وانهياراتها متلاحقة
ومستمرة في هيكلية هذا الحزب الأكثر
تسليحاً وخطورة كقوة غير نظامية في
منطقة الشرق الأوسط، مخلّفة فيه
ندوبات وتشوّهات لم يعد معها قادراً
على الظهور بمظهر »المقاومة ضد
الأعداء« بعدما حوّل سلاحه إلى صدور
الفئة الكبرى من اللبنانيين في أخطر
عملية »مقاومة« للدولة الشرعية
القائمة من أجل تثبيت دويلته على غرار
ما فعلته حركة طالبان الأفغانية
بسيطرتها على كل البلاد وحكمها
بالحديد والنار والتزمّت الديني،
وانتهت باحتلالها وزوال هذا الحكم
الاستبدادي الإكراهي لشعب بكامله«.
وقال خبيرا الأطلسي في تقرير تفصيلي
وضعته لجنة خبراء عسكريين وسياسيين في
»الحلف« ركيزة للانطلاق منها إلى فهم
تلك الحركات والمنظمات والأحزاب
العنيفة في منطقة الشرق الأوسط«، إن
»حزب الله« الذي برز في بادئ الأمر
كرديف شيعي في المنطقة والعالم لـ
»تنظيم القاعدة« السني السلفي، تحوّل
منذ حرب تموز/ يوليو 2006 مع إسرائيل
إلى »قوة بديلة« عن »القاعدة«، بل
ومتقدمة عليها حيث وصفه مسؤولون
أميركيون وغربيون بأنه »القوة الأولى
في العالم التي تشكل خطراً داهماً على
المجتمعات الشرق أوسطية والدولية«،
استناداً إلى منع دولة عسكرية هي
الأقوى في المنطقة (إسرائيل) وتمتلك
عدة مئات من الرؤوس النووية على تحقيق
كامل أهدافها في حرب ضد دولة صغيرة
عاجزة غير محاربة مثل لبنان«، إلاً أن
هذا التصدّي للجيش الإسرائيلي »لم
يعنِ على الإطلاق أن الخطط الجوهرية
العبرية لم يتحقق معظمها في تلك
الحرب:
لقد أنشأت إسرائيل على حدودها مع
لبنان »حزاماً أمنياً« جديداً (بعد
حزام أمنها السابق الذي انتهى
بانسحابها العام 2000)، ولكن هذه
المرة بجيش دولي تابع للأمم المتحدة
من دون أن تكبّد نفسها أي خسائر بشرية
أو مادية أو معنوية، وهو أوسع من
حزامها السابق الذي وصل إلى حدود نهر
الليطاني (ما بين 10 و20 كيلومتراً في
العمق اللبناني)، وهذا أمر بالغ
الأهمية والخطورة.
فرضت إسرائيل (عبر القرار 1701) عودة
الجيش اللبناني إلى الجنوب وعلى طول
حدودها مع لبنان على حساب وجود مقاتلي
»حزب الله« وقوته التسليحية.
أفرغت إسرائيل بذلك جنوب الليطاني من
تمركز الآلة الحربية الإيرانية على
حدودها.
أجبرت إسرائيل منذ تلك الحرب قيادات
»حزب الله« وعلى رأسها أمينه العام
حسن نصرالله على البقاء تحت الأرض
طوال السنوات الثلاث الماضية.
كبّدت ترسانة »حزب الله« العسكرية
وبنيته البشرية المسلّحة خسائر فادحة
بلغت حوالى ثلثي ما يمتلك قبل التعويض
عليه عبر الحدود السورية.
ما زالت بنى »حزب الله« التحتية
العسكرية والأمنية والاقتصادية غير
مكتملة حتى الآن بسبب عنف الضربة التي
وجهتها إليه إسرائيل.
تمكّنت إسرائيل بحربها المفرطة في
القوة من تحويل سلاح »حزب الله« إلى
الداخل ضد شرائح واسعة من اللبنانيين،
ما أدى إلى نقمة مناطقية - طائفية
عليه لا يمكن أن تنتهي بعد الآن، وقد
أفقده ذلك الدعم الشعبي الداخلي له
والالتفاف الذي أحيط به خلال الحرب
ومواقع أقدامه داخل المجتمعات السنيّة
والدرزية والمسيحية في أي حرب مقبلة.
كبدت إسرائيل البنى التحتية
الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية
خسائر وأضراراً ما زال عاجزاً حتى
اليوم عن النهوض بأعبائها وطوّقت عنقه
بمليارات الدولارات من الديون غير
المنظورة إلى جانب الديون المعلنة
والبالغة حوالى 50 ملياراً.
لم يطلق »حزب الله« رصاصة أو صاروخاً
واحداً منذ ثلاث سنوات على الأراضي
الإسرائيلية ما يؤشّر إلى أنه لم يعد
مستعداً للقيام بأي مغامرة عسكرية ضد
الدولة العبرية من جهته ما لم تباشر
هي إلى شن عمليات ضده.
إذا كان »حزب الله« ضاعف صواريخه من
إيران من حوالى 12 ألفاً إلى ما بين
20 و25 ألفاً، فإن إسرائيل التي أعلنت
أنها »استعادت قوة ردعها«، ضاعفت هي
الأخرى قوة أسلحتها ونيرانها بحيث أن
14 ألف صاروخ أو 30 ألف صاروخ باتت
نتائج تدميرها واحدة تقريباً.
لو كان »حزب الله« »انتصر« فعلاً في
حرب 2006، لما واجه هذه الهزيمة
النكراء في الانتخابات النيابية
الأخيرة ولم يكتسب هو وحلفاؤه مقعداً
جديداً واحداً في البرلمان الجديد،
وهذا بحدّ ذاته دليل قاطع على تراجع
شعبيته التي كان يمكن أن تكون مضاعفة
لو حقق أي شيء حقيقي وملموس ضد
إسرائيل.
كشفت حرب 2006 الدور الإيراني في
المنطقة علناً من دون تورية بعدما
كانت طهران تنفي باستمرار نواياها
وعلاقاتها بالوضع الداخلي اللبناني،
وألّبت الرأي العام السنّي الطاغي على
المنطقة ضدها.
إن مجرد صدور القرار الدولي 1701 بما
يتضمنه من تكبيل لـ»حزب الله« ليس في
المناطق الجنوبية فحسب، بل في كل
الأراضي اللبنانية (نشر جيش لبناني
على الحدود مع سورية لمنع تهريب
السلاح إليه وقوات دولية لمنع عمليات
التهريب الأخرى إليه من البحر)، هو
لصالح إسرائيل التي أُطلِقَت في
المقابل يدها في أجواء لبنان بكل حرية
ومن دون أي مقاومة.
إن حرب تموز/ يوليو العام 2006 منحت
دعاة تطبيق كافة القرارات الدولية،
وفي مقدمها القراران 1559 و1701،
زخماً أكبر في تضييق الخناق الدولي
على »حزب الله« والدولة اللبنانية
للإسراع في تنفيذها، وأبقت هذه
القرارات سيفاً مصلتاً حتى تنفيذها
بالكامل.
إن خطط إسرائيل الحربية في عام 2006
لم تلحظ على الإطلاق القضاء الكامل
على »حزب الله« وقواه العسكرية
والاقتصادية، وإنما اعتمدت مبدأ
إضعافه إلى الحدود الدنيا، تماماً كما
فعلت بعد ذلك في غزة ضد حركة »حماس«،
إذ أن اللعبة الإسرائيلية ما زالت
قائمة على نسف الدول العربية من
الداخل عبر إشعال حروب أهلية بين
سكانها تماماً، أيضاً كما يحدث في
فلسطين بين »حماس« والسلطة
الفلسطينية، وكما يحدث في لبنان بين
السنّة والشيعة والمسيحيين«.
وصول شبكة الاتصالات إلى دمشق!
وفي هذا السياق بالذات، كشف تقرير
استخباري أوروبي في لندن النقاب هذا
الأسبوع عن أن شبكة اتصالات »حزب
الله« في لبنان التي تسبّب قرار حكومي
بإلغائها في الخامس من أيار/ مايو من
العام الفائت باجتياح بيروت السنيّة
وبعض الجبل الدرزي، »تشتمل في جزئها
القائم على مراقبة الاتصالات الهاتفية
والشيفرات العسكرية والأمنية بين
قيادات القطاعات والقادة السياسيين
والروحيين في لبنان ويصل مداها إلى
تغطية منطقة الجليل الأعلى الإسرائيلي
برمتها، بل أبعد من ذلك إلى بعض العمق
العبري، يمتدّ مفعولها شرقاً وشمالاً
أيضاً ليكشف شبكات اتصال الجيش السوري
واستخباراته وأجهزة أمنه وصولاً إلى
دمشق نفسها«.
وقال التقرير الذي اطّلعت »المحرر
العربي« في بريطانيا على الأجزاء
الواردة فيه حول ما أسماها »شبكة
التجسس الإيرانية على لبنان وإسرائيل
وسورية من بيروت«، إن »حزب الله« قبل
اغتيال قائده العسكري عماد مغنية
بانفجار سيارته في دمشق في مطلع العام
2007 »لم يكن مسموحاً له إيرانياً بسط
شبكة اتصالاته ومراقباته على أي جزء
من الأراضي السورية، إلا أن قيادته
أقنعت الحكومة الإيرانية بعد عملية
الاغتيال المثيرة للجدل هذه بضرورة
مراقبة شبكة الاستخبارات السورية التي
لو كانت موجودة سابقاً لربما حصل
تجنّب تنفيذ هذه العملية، وبذلك تمكّن
»حزب الله« منذ نيسان/ أبريل 2007، أي
بعد مرور أقل من شهرين عليها من زرع
معدات إلكترونية متطورة في أماكن
مختلفة من سلسلة الجبال اللبنانية
الشرقية الفاصلة بين حدودي البلدين
وصولاً إلى تخوم دمشق شرقاً واللاذقية
شمالاً، تكشف لمحطة الاتصالات الأم لـ
»حزب الله« الموجودة في الضاحية
الجنوبية من بيروت والمدعومة »بمحطات
تقوية« في البقاعين الأوسط والشمالي
وفي أقصى الحدود الشمالية اللبنانية
جزءاً واسعاً من الاتصالات التي
تجريها قيادتا الجيش والاستخبارات
السوريتان بقطاعاتها العسكرية
ومراكزها الأمنية وحتى مؤسسات رسمية
حكومية بما فيها رئاستا الجمهورية
والحكومة«.
وذكر التقرير في إحدى فقراته،
استناداً إلى معلومات موثوقة من
القيادة العسكرية الشمالية
الإسرائيلية المحاذية لحدود لبنان،
»إن الأجهزة الأمنية العبرية تمكّنت
بعد حرب تموز/ يوليو العام 2006 مع
»حزب الله« من تقوية شبكة تشويش
إلكترونية شديدة التعقيد استقدمت
معداتها من أربع دول أوروبية متخصصة
في مجالي الرقابة الميدانية والتشويش،
ونشرتها على مناطق واسعة من حدودها مع
لبنان وعمق يتراوح ما بين 20 و40
كيلومتراً، لتعمية شبكة الاتصالات
الإيرانية التابعة لـ »حزب الله« في
جنوب وشمال نهر الليطاني الجنوبي، إلا
أنها تعمّدت أن تترك فيها بعض الثغرات
أمام هذه الشبكة لتزويد استخبارات حسن
نصرالله بمعلومات مضلّلة«.
أخطاء متبادلة!!
وأكد التقرير »أن شبكة »حزب الله«
لعبت دوراً مهماً في كشف بعض شبكات
التجسس الإسرائيلية المبالغ فيها في
لبنان منذ أشهر عدة، بسبب أخطاء
إسرائيلية ارتكبها بعض الضباط من
الجيش والاستخبارات في عمليات إدارة
الشبكة الإسرائيلية المقابلة، كما أن
أخطاء ارتُكبت من جانب »حزب الله«
أدّت هي الأخرى إلى كشف شبكة تجسس في
مصر لأن بعض المشرفين فيها أجروا في
مراحل عدة اتصالات شفهية بقائد خلية
تلك الشبكة تمكنت الأجهزة الإسرائيلية
من حلّها بعدما راقبتها لعدة أشهر«.
وقال التقرير »إن إسرائيل وقبرص
وتركيا التي امتنعت في بادئ الأمر عن
التعاون مع لجان التحقيق الدولية في
اغتيال رفيق الحريري، كما أكد ذلك
رئيساها السابقان ديتليف ميليس وسيرج
براميرتس بحجبها معلومات جانبية عبر
شبكات اتصالتها التي تشمل لبنان
حفاظاً على سرية مصالحها، اضطرت في
نهاية الأمر إلى الإفراج عن بعض تلك
المعلومات لرئيس اللجنة الثالثة
دانيال بلمار التي كشفت أدوار ثمانية
من قادة »حزب الله« وعدد من رؤساء
كوادره في متابعة مراحل الجريمة قبل
وقوعها وخلال حدوثها وبعد تنفيذها، ما
يعني أن شبكات اتصالات الدول الثلاث
هذه تشمل لبنان في ما تشمل من دول
أخرى في الشرق الأوسط«.
وذكر التقرير أن »الخطأ الهائل الذي
ارتكبته الحكومة اللبنانية في إخراج
موضوع شبكة اتصالات »حزب الله« إلى
العلن في أيار/ مايو من العام 2008
عبر إصدار قرار بإلغائها، عائد إلى
ضعف معلوماتها عن الأهمية القصوى التي
يطلقها الحزب على هذه الشبكة وإلى أنه
قد يذهب إلى اجتياح بيروت والجبل رداً
على موقفي فؤاد السنيورة ووليد جنبلاط
من ضرورة إلغائها، إلا أن الخطأ
الأكبر هو أن تراجع الدولة اللبنانية
عن القرار حوّلها إلى »تكريس« دائم
ومستمر لميليشيات الحزب، كما جعل تلك
الشبكة أقوى بخمس أو ست مرات مما كانت
عليه قبل القرار والاجتياح (اجتياح
بيروت)، وأعطاها صفة شرعية، في الوقت
الذي كان بإمكان الأجهزة الأمنية
اللبنانية فيه الاستفادة القصوى من
سرّيتها التي جعلتها محدودة في بادئ
الأمر، عبر مراقبتها بدقّة. لذلك
وخوفاً من خطوة جديدة لتلك الأجهزة
التي تلقّت معدات متطورة لمراقبة شبكة
الحزب من بلجيكا وألمانيا وفرنسا
وإيطاليا والولايات المتحدة وبعض
الدول العربية، أصرّ الحزب ومناصروه
على تسليم حقيبة وزارة الاتصالات في
الحكومة الراهنة المنتهية ولايتها إلى
أحد أقرب حلفائها وهو صهر ميشال عون،
من أجل منع وصول المعلومات عن الحزب
إلى الدولة، وتتعاون الأجهزة الأمنية
بالاتصالات الهاتفية وغير الهاتفية
التي تجري تحت سيطرة الإيرانيين
والسوريين في الأراضي اللبنانية«.