إسرائيل وإيران في مأزقين لكن المخرج
مشترك:
الحرب في لبنان؟
سباق بين الصفقة والتفجير
»المحرر الديبلوماسي«:
غريبة فعلاً الأجواء السائدة حالياً
في الدوائر الديبلوماسية المتتبعة
لشؤون الشرق الأوسط، إذ هي مزيج من
مخاوف من تفجير ما في المنطقة، وثقة
بأن التوازنات التي بنيت فيها كفيلة
بمنع هذا التفجير، أو في حال حصوله
بضبطه في إطاره الأوّل ومنعه من
الانتشار.
الجديد فعلاً هو تخوّف من نشوب حرب.
هناك معلومات محددة، وتقارير متتالية
تفيد أن إمكانية نشوب حرب في المشرق
العربي ارتفعت بشدة في الأسابيع الستة
الماضية. هذه التقارير، التي أقر لـ
»المحرر العربي« بوجودها مصدر
ديبلوماسي أوروبي عالي المستوى مساء
الأربعاء 15 الجاري، ترتكز إلى
معلومات ميدانية وإلى تحليلات سياسية
خلاصتها أن طرفي معسكر التطرّف في
المنطقة، أي إيران وإسرائيل، هما
اليوم في مأزق حقيقي.
إيران في مأزق ديبلوماسي لأسباب عديدة
أهمها ملفها النووي الذي بدأت عقارب
الساعة تقترب فيه من ساعة الحسم، وهي
آخر الصيف أو آخر السنة. الأسرة
الدولية، بما فيها روسيا والصين، لن
تترك إيران تحصل على السلاح النووي.
والنظام الإيراني مصر على الحصول
عليه. وإيران أيضاً في مأزق سياسي
داخلي منذ الانتخابات الرئاسية
الأخيرة ونظامها في أصعب وضع داخلي
منذ تأسيس »الجمهورية الإسلامية« في
1979.
وإسرائيل بدورها في مأزق غير مسبوق.
فعلاقاتها مع الولايات المتحدة لم تكن
يوماً على هذه الدرجة من البرودة.
وعزلتها الديبلوماسية تتفاقم. والضغوط
التي تمارس عليها لانسحاب كامل من
الأراضي العربية التي احتلتها في 1967
تتزايد. وفي الوقت نفسه، فإن خوفها من
حصول إيران على السلاح النووي هو خوف
جدي.
ومع أن كلاً من المأزقين مختلف، فإن
ثمة »مخرجاً مشتركاً« منهما - على حد
تعبير المصدر الأوروبي نفسه - ألا وهو
تفجير حرب في لبنان.
من سيفجر هذه الحرب؟ إسرائيل أم
إيران؟ الجواب: إسرائيل أو إيران...
أرجحية »الحرب الصغرى«..
إسرائيل تريد تفجير هذه الحرب في
لبنان لأنها تعتبر أنها خيار الحرب
»الصغرى«. فإسرائيل تعرف تماماً أنه
ليس من المسموح لها مطلقاً أن تقوم
الآن بالحرب »الكبرى« أي أن تهاجم
مباشرة المواقع النووية في إيران من
تلقاء نفسها. هي لم تتراجع عن تلك
الإمكانية، لكنها تعرف أن القيام بمثل
هذه العملية اليوم ستترتب عليه نتائج
معقدة، لأن الديبلوماسية الدولية
مجمعة، في السياق الذي فتحه الرئيس
الأميركي باراك أوباما، على إعطاء
فرصة زمنية أوّلاً للحل الديبلوماسي
مع إيران. هذه »الفرصة الأخيرة« لن
تدوم إلى ما لا نهاية، وبالأصح لن
تدوم إلى أبعد من نهاية 2009.
وإسرائيل تريد القيام بهذه الحرب
»الصغرى« لأنها تعتبر أنها ضرورية من
الناحية العسكرية لتأمين ظهرها في حال
حدوث حرب مع إيران. فهي تعتبر أنه من
الأفضل لها أن تنتهي من صواريخ الحزب
الآن...
وإسرائيل »تبيع« هذا الخيار على
طريقتها في اتصالاتها مع الأجهزة
الغربية:
< فبرأيها أن القضاء على »حزب الله«
الآن قد يغير الكثير في المعادلات في
المنطقة، لأنه من ناحية سيسحب من
إيران ورقة تهديد أساسية وبالتالي
يجبرها على أن تكون أكثر واقعية على
طاولة المفاوضات...
< وبرأيها أن هذه الحرب »الصغرى«
ستبين أن إيران »نمر من ورق« لأنها لن
تتجرأ على نجدة »حزب الله« فهي لم
تحرك ساكناً مرة في كل الحروب التي
جرت بين إسرائيل والحزب... ولن تحرك
ساكناً هذه المرة...
< وبرأيها أن هذه الحرب ستضع سورية في
الزاوية ليس فقط على الصعيد المعنوي
لأنها هي أيضاً لن تتحرك لنجدة »حزب
الله«... ولن تفتح جبهة الجولان... بل
لأنها ستجبر على مواجهة »لحظة حقيقة«
خلال الحرب وبعدها. فإما أن تسمح
للإمدادات الإيرانية بعبور سورية
والوصول إلى الحزب والسماح له بالصمود
والاستمرار وإعادة بناء قوته (كما
فعلت عام 2006) وأما أنها ستلتزم
وعدها المفترض أنها قدمته إلى
السعودية وواشنطن بالكف عن مساعدة
الحزب.
وبالطبع، يبدو الجيش الإسرائيلي، لا
سيما بعد حصوله على معدات جديدة في
2007 و 2008، وبعد بنائه شبكة معلومات
جديدة حول »حزب الله«، ميال إلى تلميع
صورته وتحقيق مكسب عسكري حاسم. ذلك أن
الجيش الإسرائيلي يعتبر أن هذه الحرب
ستكون مختلفة كلياً عن حرب 2006.
فبرأي الجيش الإسرائيلي أن »حزب الله«
لن يتمكن هذه المرة من استخدام منطقة
جنوب الليطاني لقصف شمال إسرائيل
بصواريخ قصيرة الأمد يصعب بل يستحيل
القضاء عليها من دون عملية برية
مكلفة، لا يريد الجيش الإسرائيلي
أصلاً القيام بها.
فجنوب الليطاني واقع تحت سيطرة الجيش
اللبناني والقوات الدولية ولا يمكن
للحزب أن يتحرك فيه بحرية. وحتى إذا
قرر الحزب استخدام هذه المنطقة فإن
حركته فيها ستكون صعبة لأن حريته فيها
مقيدة منذ 3 سنوات. الجيش الإسرائيلي
يريد ضرب قواعد الصواريخ المتوسطة
والطويلة الأمد التي نصبها الحزب شمال
الليطاني وفي البقاع. وضربها سهل إذا
ما استخدمها الحزب، كما برهنت حرب
2006.
وحتى إذا امتنع الحزب عن استخدامها،
فإن لدى إسرائيل معلومات دقيقة كافية
لتدمير شبكة الصواريخ التي تهمها
بالدرجة الأولى ألا وهي الصواريخ
بعيدة المدى التي يمكن أن تطال تل
ابيب وحتى ديمونا. بكلام آخر، الحرب
»الصغرى« ستكون عبارة عن سلسلة غارات
مكثفة على مواقع الصواريخ بعيدة
المدى. فإذا ما تحرك الحزب وقصف، تبدأ
مرحلة أخرى هي تدمير مواقع قياداته في
الضاحية الجنوبية، أي عملياً تدمير
جزء من الضاحية من جديد. الحرب التي
يحاول الجيش الإسرائيلي تسويقها لدى
لأجهزة الغربية ستكون حرباً سريعة
(يومان إذا لم يتحرك الحزب، 5 أيام
إذا ما تحرك) لكن كثيفة جداً.
أما إيران، فهي تريد هذه الحرب...
< لفك الخناق عنها، هي حرب الهروب إلى
الأمام، قبل أن تنتهي الفسحة
الديبلوماسية. هي حرب استباقية.
< لاستعادة المبادرة. فهذه الحرب
ستسمح لإيران بأن تحسن وضعها على
طاولة المفاوضات لأن العالم سينكب
عليها مطالباً بايقاف النار والدمار
والدم.
< لتحسين وضع النظام داخلياً، لأن
الحرب ستجبر المعارضين على الصمت وعلى
الإصطفاف وراء الرئيس محمود أحمدي
نجاد ولا سيما وراء المرشد الأعلى علي
خامنئي.
ولهذه الحرب من وجهة نظر إيران أهداف
أخرى...
< فهي ستجبر سورية على توضيح
موقفها...
< وهي ستسمح لـ »حزب الله« أن يستعيد
المبادرة داخلياً في لبنان... أي أن
هذه الحرب ستقوّض نتائج الانتخابات
النيابية، وقد تخلق وضعية سياسية
داخلية تحمي الحزب من أي إنعكاسات
ممكنة من المحكمة الدولية. وتؤجل إلى
سنوات أخرى البحث في مشروعية سلاح
المقاومة.
هل هذا يعني أن »حزب الله« يستعد لهذه
الحرب؟ نعم. هذا ما تؤكده التقارير
الأمنية الغربية. وآخرها تقرير ورد
إلى قيادة حلف الأطلسي في بروكسيل
يؤكد أن انفجار مخزن الأسلحة في
الجنوب لم يتم عرضاً أو صدفة، بل لأن
المخزن كان يتم تفريغه أو تعبئته
عندما انفجر. كان هناك تموضع عسكري ما
للحزب يدخل هذا المخزن في إطاره.
باختصار، هناك سباق حقيقي وفعلي يجري
الآن في المنطقة بين الصفقة
الديبلوماسية، سواء مع إيران، أو مع
إسرائيل، أو مع سورية... وبين
التفجير. الطبخة الديبلوماسية لم تنضج
بعد في أي ملف... والخوف هو أن تسبق
نار الحرب نار الطبخ، بهدف إعادة فرز
الأوراق.
في هذا الإطار يكتسب الموقف السوري
أهمية خاصة. والغريب أنه، حسب مصادر
أميركية، لا يبدو النظام السوري
منزعجاً كثيراً من أن توجه إسرائيل
ضربة قاضية إلى »حزب الله«. فهذه
الضربة قد تسهل عليه تموضعه في ما
بعد. وتسهل عليه الوفاء بالتزاماته،
إذ هو لا يتمكن حالياً من ايجاد صيغة
تسمح له بضبط »حزب الله« في لبنان
بشكل فعلي من دون أن تنهار العلاقات
بين دمشق وطهران. إيران هيمنت على
الورقة اللبنانية، وإضعافها في لبنان
يقوي أوتوماتيكياً دور سورية في
لبنان.
هناك إذن أطراف عديدة تريد الحرب في
لبنان... ومنها على ما يبدو سورية.
لكن هناك أطراف عديدة تريد تجنب الحرب
ودمارها على لبنان، وهذا الاتجاه
تقوده المملكة العربية السعودية.
المصادر الأوروبية تقول إن التقارب
بين الرياض ودمشق تعثر أخيراً، وإن
سورية تتهرب من حسم موقفها وتحاول
البقاء في منطقة رمادية غير واضحة،
لأنها لا تريد حرق أوراقها ولا تريد
المراهنة على قراءة واحدة لتطوّر
الأوضاع. لكن يبدو أمام هذه المماطلة
السورية أن باب السعودية بدأ ينغلق
مجدداً. هذا اقله ما أكده لنا بوضوح،
بناء على معلومات دقيقة، المصدر
الأوروبي الذي أشرنا إليه أعلاه.