جيش إلهي في إسرائيل: وصفة لكارثة
محتمة
الحاخام الأعلى للجيش يصرّ على البقاء
في العصر التوراتي..
»الغارديان«: خطر انجراف الجنود إلى
هاوية التديّن
نشرت صحيفة »الغارديان« البريطانية
مقالاً للكاتب سيث فريدمان، تناول فيه
المنحنى الديني الذي ينجرف فيه الجيش
الاسرائيلي، معتبراً أن السماح لرجال
الدين بالسيطرة على ساحة حساسة، كساحة
المؤسسة العسكرية، ما هي الا وصفة
لكارثة محتمة.
يقول المقال: إن تصريحات الحاخام
الأعلى في الجيش الاسرائيلي، افيشاي
رونتيزكي، المناهضة لتجنيد النساء في
الجيش، أثارت عاصفة في إسرائيل، مع
مطالبة بعض الساسة والقياديين في
البلاد بالاطاحة به. وقد ارتكز
الحاخام في فتواه على تفسير تعاليم
الدين اليهودي، والتي تتضارب مع تفكير
الشريحة الكبرى من العلمانيين في
المجتمع الاسرائيلي، وهي التي تبدي
خشيتها من سقوط الجيش في أيدي قادة
المعسكر المتدين.
وبحسب رئيس حركة »ميريتس« حاييم
اورون، فإن مواقف رونتيزكي تسلط الضوء
على اتجاه جديد في إسرائيل، فبدلاً من
أن تنخرط الصهيونية الدينية (religious
Zionism)
في قيم الجيش والبلاد، ينخرط الجيش
والبلاد في قيم الصهيونية الدينية
بحلتها القومية والأرثوذكسية. وإذا ما
استمر هذا الاتجاه ، فإن جيش الدفاع
الإسرائيلي سيتحول من جيش يتألف من
مواطنين إلى كتائب تحمل الشعارات
الدينية.
وليست مخاوف اورون بعيدة عن التحقق
كما قد يبدو لأولئك الذين ما زالوا
ينظرون إلى الجيش الاسرائيلي على انه
مؤسسة علمانية، فخلال عملية الرصاص
المصبوب، وزع حاخامات الجيش مناشير
على الجنود، محاولين تصوير الصراع على
انه حرب مقدسة تشن باسم يهود العالم.
وقد أعطاني احد الاصدقاء، الذي كان في
عداد الجنود المنتشرين على الحدود مع
غزة، واحداً من هذه المناشير والتي
تقول »اننا نخوض حرباً من أجل الشعب
اليهودي، وليس من أجل مواطني إسرائيل
فقط...«.
ويقول صديقي: »إنني افكر في ما سيكون
عليه موقف الجنود البدو من هذه
المناشير وماذا سيفعلون بها. الجندي
البدوي سيكون هناك من أجل إيقاف
صواريخ »حماس« وليس لكي ينخرط في حرب
الهية«..!
إن هذه الموجة »الجهادية« التي
يتقمصها الجيش دليل على انحداره نحو
اليمين. والاحصاءات تثبت صحة هذا
القول، اذ أن 20 في المئة من ضباط
الجيش يأتون من خلفيات دينية وطنية،
وهي نسبة اكبر من النسبة الموجودة ضمن
المجموع العام لكل السكان.
وفي حين لا يزال معظم المتدينين
المتشددين الاسرائيليين يرفضون إرسال
أبنائهم إلى الجيش ، فإن المعسكر
الديني الوطني القائم اليوم ليست لديه
مشكلة في انخراط ابنائه في الخدمة
العسكرية. وهؤلاء تعلموا التضحية
بأنفسهم من اجل الدولة.
على أرض الواقع، لا يشكل تزايد عدد
الجنود الملتزمين بالقوانين والمبادئ
الدينية، بالضرورة، امراً سيئاً
بالنسبة إلى الجهات المعادية التي
ينشط الجيش ضدها، لأن التقيد الصارم
بالقانون اليهودي يتطلب منهم أن
يتصرفوا بطريقة أكثر إنسانية من
الكثير من أقرانهم الأقل تديناً. ولكن
على نطاق اوسع ، فإن الخلاف بين
القادة العسكريين ورجال الدين في ما
يتعلق بالسياسة الاسرائيلية يضع
الجنود في مأزق عندما يتصل الأمر
بتنفيذ استراتيجيات معينة.
ومن إحدى هذه القضايا، الشرخ الذي ضرب
جيش الدفاع عام 2005 في أعقاب اصدار
أوامر إخلاء مستوطنة حوميش، اذ رفضت
بعض القيادات الدينية هذا الامر.
وبالتالي فقد اعرض الجنود المستوطنون
وذوو المبادئ القومية المتدينة عن
تنفيذ أوامر الاخلاء. ولكن القيادة
العسكرية تعاملت معهم آنذاك بأيد
ناعمة، مخافة حدوث صدام داخلي، بدلاً
من مقاصصتهم لتمردهم وعصيانهم أوامر
الجيش ومبادئه.
ان هذه الحادثة تمثل الخطر الذي يهدد
أي إخلاء مستقبلي للمستوطنات
الاسرائيلية في الضفة الغربية. كما
وأن التضارب الصارخ بين قيادة الدولة
وبين الهرم القومي المتدين يفاقم خطر
حدوث ثورة أو انقلاب جماعي في صفوف
الجيش. كما أن الخطر الأكبر الذي
يتهدد الآخرين من سيطرة هذه الفئة على
الجيش هو مبدأها الاساسي في إطار
حربها ضد المجاهدين الاسلاميين
كـ»حماس« وميليشيات القاعدة، والقائل
أنه يجب عدم معاملة أعداء إسرائيل
بالحوار والتفاوض، إذ أن ذلك سيقود
إلى طريق مسدود لا رجعة فيه، لذلك فما
من طريق آخر للتعاطي مع هؤلاء سوى قوة
السلاح وسفك الدماء.
يمكن القول أن مواقف رونتيزكي
الشوفينية ضد المرأة في الجيش، تعكس
البنية الفكرية لرجل عالق في الماضي،
يرفض أن يعترف بأن العالم قد تطور
وبأن الاوضاع تغيرت عما كانت عليه في
العصر التوراتي، ولكن الامر الاكثر
اثارة للقلق هو السماح لذوي التفكير
الرجعي بنشر تأثيرهم في صفوف الجيش،
وبتقليدهم مناصب مؤثرة في المؤسسة
العسكرية.. لا مكان للعقيدة الدينية
في هكذا مؤسسة، والسماح لهذا التفكير
الفاسد والخطير بأن يغزو ساحة حساسة
كساحة الجيش الاسرائيلي هو، ببساطة،
وصفة لكارثة محتمة.<